على١ طلب حظّهم ومرادهم من اللَّه، وهو الفناء؛ لم يكن سيرهم على تحصيل مراد اللَّه منهم، وهو القيامُ بعبوديته والتحقّقُ بها. والسائر على طلب تحصيل مراد اللَّه منه لا يكاد الفناءُ يحلّ بساحته ولا يعتريه.
والسبب الثاني: قوَّة الوارد، بحيث يغمره، ويستولي عليه، فلا يبقى فيه متَّسَعٌ لغيره أصلًا.
السبب الثالث: ضعف المحلّ عن احتمال ما يَرِدُ عليه. فمن هذه الأسباب الثلاثة يعرض الفناء.
ولمَّا رأى الصادق٢ في طريقه السالكُ إلى ربِّه أنَّ أكثر أصحاب الفرق محجوبون عن هذا المقام، مشتَّتون في أودية الفرق؛ وشهدوا نقصهم، ورأوا ما هم فيه من الفناءِ أكملَ = ظنُّوا أنَّه لا كمال وراء ذلك، وأنَّه الغاية المطلوبة؛ فمن هنا جعلوه غاية.
ولكن أكمل من ذلك وأعلى وأجلّ هو القسم الثالث، وهو الفناءُ عن عبادةِ السوى، وإرادتِه، ومحبّتِه٣، وخشيتِه، ورجائِه، والتوكّلِ عليهِ، والسكون إليه. فيفنى بعبادة ربِّه ومحبته وخشيته ورجائه، وبالتوكّل٤ عليه. وبالسكون إليه، عن عبادة غيره وعن محبّته ورجائه والتوكّل عليه، مع شهود الغير ومعاينته. فهذا أكمل من فنائه عن عبودية الغير ومحبته، مع عدم شهوده له وغَيبته عنه. فإنَّه إذا٥ شهد الغيرَ في مرتبته
(١) "على" سقطت من "ط"، واستدركت في القطرية.
(٢) "الصادق" ساقط من "ب".
(٣) "ومحبته" سقطت من "ط"، واستدركت في القطرية.
(٤) "ط": "والتوكل".
(٥) "ك، ط": "فإذا" مكان "فإنّه إذا".
أوجبَ شهودُه له زيادةً في محبّة معبوده وتعظيمًا له وهروبًا إليه وضنًّا١ به، فإنَّ نظر المحبّ إلى مُناوئ محبوبه ومُضادّه٢ يوجب زيادَة حبّه له. وفي هذا المعنى قال القائل:
وإذا نظرتُ إلى أميري زادنيحُبًّا له نظري إلى الأُمراء٣
وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: "اللهم لك أسلمتُ وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ"٤. وفي سجوده: "اللهمّ لك سجدتُ، وبك آمنتُ"٥ وكذلك في ركوعه: "اللهمّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ"٦. فهذا دعاءُ من قد جمع بين شهود عبوديته وشهود معبوده، ولم يغب بأحدهما عن الآخر. وهل هذا إلّا كمال العبوديّة: أن يشهد ما يأتي به من العبودية موجِّهًا لها إلى المعبود الحق، مُحْضِرًا لها بين يديه، متقرّبًا بها إليه. فأمّا الغَيبة عنها بالكلّية، بحيث تبقى الحركات كأنّها طبيعية غير واقعة بالإرادة، فهذا وإن كان أكملَ من حال الغائب بشهود عبوديّته عن معبوده، فحال الجامع بين شهود العبودية والمعبود أكملُ منهما. وإذا عرفت هذه القاعدة ظهر أنّ تعليلَه التوكّلَ بما ذكر تعليلٌ باطلٌ.
(٣) البيت لعديّ بن الرقاع العاملي في ديوانه (١٦٢). وفيه وفي التمثيل والمحاضرة (٦٨): "ضنًّا به" مكان "حبًّا له". وقد ذكره المؤلف في الصواعق (٨٦٥) أيضًا.
(٤) تقدم تخريجه (٧٣).
(٥) من حديث علي بن أبي طالب ﵁. أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها (٧٧١).