طريق الهجرتين

"نعم". قالوا: ففيمَ العمل؟ قال: "اعملوا فكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ له"١. فأمرهم بالأعمال، وأخبرهم أنَّ اللَّه يسَّر كلَّ عبدٍ لما خُلِقَ له، فجعل عملَه سببًا لنيل ما خُلِقَ له من الثواب والعقاب؛ فلا بدَّ من إثبات السبَب والمسبّب جميعًا.

الوجه الثاني عشر: قوله: "المتوكّل من أراح نفسه من كدِّ النظر في مطالعة السبب، سكونًا إلى ما سبق من القسمة، مع استواءِ الحالين عنده". فهذا الكلام إن أُخِذَ على إطلاقه فهو باطل قطعًا، فإنَّ السكون إلى ما سبق من القسمة وترك السبب في أعمال البِرّ عينُ العجز وتعطيلٌ للأمر٢ والشرع؛ ولا يجوز شرعًا ولا عقلًا التسوية بين الحالين. وأمَّا السكون إلى ما سبق من القسمة في أسباب المعيشة فهو حقٌّ، ولكنّ الكمال أن يكون ساكنًا إلى ما سبق مع قيامه بالسبب٣، وهذه حال الكُمَّل٤ من الصحابة ومَن بعدهم. فالكمال هو تنزيل الأسباب منازلَها علمًا وعملًا، لا الإعراضُ عنها ومحوُها، ولا الانتهاءُ إليها والوقوفُ عندها.

  1. = حديث أبي خزامة عن أبيه. قال الترمذي عقب (٢٠٦٥): "هذا حديث حسن". وقال عقب (٢٠٦٥ - م): وقد روي عن ابن عيينة كلتا الروايتين وقال بعضهم: عن أبي خزامة، عن أبيه. وقال بعضهم: عن ابن أبي خزامة، عن أبيه. وقال بعضهم: عن أبي خزامة، عن أبيه. وهذا أصح، ولا نعرف لأبي خزامة عن أبيه غير هذا الحديث. (ز).
  2. (١) سبق تخريجه (١٥٠).
  3. (٢) "ك، ط": "الأمر".
  4. (٣) "بالسبب" ساقط من "ك، ط".
  5. (٤) "ط": "الكملة".
572

الوجه الثالث عشر: قوله: "مع استواءِ الحالين عنده، وهو أن يعلم أنَّ الطلب لا يجمع، والتوكّل لا يمنع" يشير به إلى استواءِ الحالين في مباشرة السبب وتركِه نظرًا إلى ما سبق. وهذا ليس بمأمور ولا مقدور١، فإنَّه لا تستوي الحالتان شرعًا ولا قدرًا، وكيف يستوي ما لم يسوِّه اللَّهُ شرعًا ولا قدرًا؟٢

الوجه الرَّابع عشر: قوله: "الطلب لا يجمع، والتوكّل لا يمنع". فقد تبيّن٣ أنَّ التوكّل لا ينافي الطلب، بل حقيقةُ التوكّل وكمالُه: مقارنتُه للطلب ومصاحبتُه للسبب. وأمَّا توكُّلٌ مجرَّدٌ عن الطلب والسبب، فعجزٌ وأمانيّ! فتوكّل الحرَّاث إنَّما هو بعد شقِّ الأرض وبذرها، وحينئذٍ يصح منه التوكّل في طلوع الزرع. وأمَّا توكّلُه من غير حرث ولا بذر، فعجز وبطالة.

الوجه الخامس عشر: قوله: "ومتى طالع بتوكّله عرضًا كان توكّله مدخولًا وقصدُه معلولًا. فإذا خلص من رقّ هذه الأسباب، ولم يلاحظ في توكّله سوى خالص حقِّ اللَّه، كفاه اللَّه كلَّ مهمّ"٤. فيقال: التوكّل يكون في أحد شيئين: إمَّا في حصول حظّ العبدِ ورزقه ونصره وعافيته، وإمَّا في حصول مراد ربِّه منه، وكلاهما عبادة مأمور بها، والثاني أكمل من الأوَّل بحسب المتوكَّل فيه. ولكن توكّله في الأوَّل لا يكون معلولًا من حيث هو توكّل، وإنَّما تكون علَّته أنه صرف توكّلَه إلى ما

  1. (١) "ك، ط": "معذور"، تحريف.
  2. (٢) "وكيف يستوي. . . " إلى هنا ساقط من "ف".
  3. (٣) "ك، ط": "بيّن".
  4. (٤) "ك، ط": "كفاه كل مهم".
573

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي