قال أبو العباس: "وهو من منازل العوامّ أيضًا؛ لأنَّ الصبر حبسُ النفسِ على المكروه، وعقلُ اللسان عن شكوى٢، ومكابدةُ الغصص في تحمّله، وانتظارُ الفرج عند عاقبته. وهذا في طريق الخاصَّة تجلّد ومناوأة٣ وجرأة ومنازعة. فإنَّ حاصلَه يرجع إلى كتمان الشكوى في تحمل الأذى بالبلوى. والحقيقةُ٤: الخروجُ عن الشكوى بالتلذّذ بالبلوى، والاستبشارُ باختيار المولى. وقيل: إنَّه على ثلاث مقامات مرتّبة بعضُها فوق بعض:
فالأوَّل: التصبّر. وهو تحمُّل مشقَّةٍ، وتجرُّع غصّةٍ في الثبات٥ على ما يجري من الحكم. وهذا هو التصبّر للَّه، وهو صبر العوامّ.
والثاني: الصبر، وهو نوعُ سهولةٍ تُخفِّف على٦ المبتلى بعضَ الثقل، وتسهّل عليه صعوبةَ المراد. وهو الصبر للَّه٧، وهو صبر
(١) في الأصل وغيره: "الخامس"، وهو خطأ تقدّم التنبيه عليه في أول الفصل السابق (٥٥٥).
(٢) محاسن المجالس: "شكواه".
(٣) في المجالس: "مقاومة"، وذكر المحقق أنّ في نسخة: "مغاواة"، ولعلّ صوابها: "مقاواة".
(٤) "ط": "وتحقيقه".
(٥) "ط": "والثبات".
(٦) في "ب" والقطرية: "عن".
(٧) في المجالس: "الصبر باللَّه".
المريدين.
والثالث: الاصطبار. وهو التلذّذ بالبلوى، والاستبشار باختيار المولى. وهذا هو الصبر على اللَّه، وهو صبر العارفين"١.
والكلام على هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: الصبر نصف الدين، فإنَّ الإيمان نصفان: نصفٌ صبر، ونصف شكرٌ. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ١٩﴾[سبأ/ ١٩] وقال النبيّ ﷺ: "والذي نفسي بيده، لا يقضي اللَّه للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له: إن أصابته سرَّاءُ شكرَ، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبرَ، فكان خيرًا له. وليس ذِلك إلا للمؤمن "٢ فمنازل الإيمان كلُّها بين الصبر والشكر. والذي يوضِّح هذا:
الوجه الثاني: وهو أنَّ العبد لا يخلو قطُّ٣ من أن يكون في نعمة أو بليّة. فإن كان في نعمة ففرضُها الشكر والصبر. أمَّا الشكر فهو قيدها وثباتها والكفيلُ بمزيدها. وأمَّا الصبر فعن مباشرة الأسباب التي تسلُبها، وعلى القيام بالأسباب التي تحفظُها؛ فهو أحوجُ إلى الصبرِ فيها من حاجة المبتلى.
ومن هنا يعلم سرّ مسألة الغنيّ الشاكر والفقير الصابر٤ وأنَّ كلًّا
(١) محاسن المجالس (٨٠ - ٨١).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الرقائق والزهد، باب المؤمن أمره كلّه خير (٢٩٩٩) من حديث صهيب ﵁.
(٣) انظر في استعمال "قطّ" ما سلف في ص (٤٣١).
(٤) عقد المؤلف بابًا كاملًا في هذه المسألة في كتابه عدة الصابرين (٢٨٥).