فقد رام الممتنع. وهل ترتَّب١ الأجر إلّا على وجود تلك الآلام والمشاق، والصبر عليها؟
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أشدّ النَّاس بلاءً الأنبياءُ، ثمَّ الأمثل فالأمثل"٢. وقيل له في مرضه: إنَّك لَتُوعَكُ وَعْكًا شديدًا، قال: "أجلْ، إن لي أجرَ رجلين منكم"٣ يعني في وعكه ﷺ، ولا ريب أنَّ ذلك الوعك كان مؤلمًا٤ له ﷺ. وأيضًا فإنَّه٥ في مرض موته قال: "وارأساه! "٦ وهذا إنَّما هو من وجود ألم الصداع. وكان يقول في غمرات الموت: "اللَّهم أعنِّي على سكرات الموت". ويدخل يده في قدح الماء٧، ويمسح بها وجهه من كرب الموت٨، وهذا كلّه لتكميل أجره وزيادة رفعة درجاته ﷺ. وهل كان ذلك إلا محض العبوديّة وعين الكمال؟ وهل الجرأة والمناوأة والمنازعة إلا في ترك الصبر، وفي
(١) "ب": "يترتب". "ط": "يكون".
(٢) تقدم تخريجه في ص (٤٩٥).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب المرضى (٥٦٤٧)، ومسلم في كتاب البرّ والصلة والآداب (٢٥٧١) من حديث عبد اللَّه بن مسعود ﵁.
(٤) "ك، ط": "الوعك مؤلم".
(٥) "فإنّه" ساقط من.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب المرضى (٥٦٦٦) من حديث عائشة ﵂.
(٧) في الأصل: "القدح الماء"، وكذا في "ف"، ولعله سهو. والمثبت من "ب".
(٨) ويدخل يده. . . " إلى هنا ساقط من "ك، ط". والحديث أخرجه أحمد (٢٤٣٥٦) وابن ماجه (١٦٢٣) والترمذي (٩٧٨)، والحاكم (٤٣٨٦) والنسائي في الكبرى (٧١٠١، ١٠٩٣٢) من حديث عائشة. والحديث صححه الحاكم ولم يتعقبه الذهبي، وضعفه الترمذي، وهو كما قال، لجهالة موسى بن سرجس. (ز).
التسخّط والشكوى؟
الوجه السابع: قوله: "فإنَّ حاصله١ يرجع إلى كتمان الشكوى في تحمّل٢ الأذى بالبلوى، والاستبشار باختيار المولى".
فيقال: الذي يمكن الخروج عنه هو الشكوى، وأمّا أن يخرج عن ذوق البلوى فلا يجدَه، أو يتلذَّذ بها٣، فهذا غير ممكن، ولا هو في الطبيعة. وإنَّما الممكن أن يشاهد العبدُ في تضاعيف البلاءِ لطفَ صنع اللَّه به، وحسنَ اختياره له، وبرَّه به في حمله عنه فيخفّ عنه٤ مؤنة حمَله؛ وتشتغل النفس باستخراج لطائف صنعِ اللَّه به وبرِّه وحسنِ اختياره عن شهود حمله، فتحصل٥ له لذَّة بما شهده من ذلك.
وفوق هذا مرتبة أرفعُ منه، وهي أن يشهد أنَّ هذا مراد محبوبه، وأنَّه بمرأى منه ومستمع٦، وأنَّه هديته إلى عبده، وخلعته التي خلعها عليه، ليرفُلَ له في أذيال التذلّل والمسكنة والتضزع لعزّته وجلاله؛ فيعلم العبد أن حقيقة المحبّة هي موافقة المحبوب في محابّه، فيحبّ ما يحبّه محبوبُه. فيحبّ العبد تلك الحال من حيث موافقة المحبوب٧، وإن
(١) "ك، ط": "حامله"، تحريف.
(٢) في الأصل: "تحامل"، ولعله سبق قلم. فالذي تقدم في أول الفصل: "تحمّل". وهو الوارد في المجالس.
(٣) "ط": "به"، خطأ.
(٤) "فيخفّ عنه" ساقط من "ط".
(٥) "ب، ك، ط": "فيحصل". والمثبت من "ف".
(٦) "ط": "مسمع".
(٧) في الأصل: "المحبوبة"، ولعله سبق قلم، كما أشار ناسخ "ف" بكتابة "ب" فوق "به". وفي "ب": "المحبوبيّة". وفي "ك، ط": "موافقته لمحبوبه".