كرهها من حيث الطبع البشري، فإنّ هذه الكراهة لا تنافي محبّتَه لها؛ كما يكره طبعُه الدواءَ الكريه، وهو يحبّه من وجه آخر. وهذا لا ينكر في المحبّة المتعلّقة بالمخلوق مع ضعفها وضعف أسبابها، كما قال القائل في ذلك:
أهوى هواه وبُعدي عنه يعجِبهفالبعدُ قد صار لي في حُبِّه أرَبا١
وقال آخر٢:
أريدُ وصاله ويُريد هَجريفأتركُ ما أُريد لما يُريدُ٣
وإنّه لَتبلغ المحبّة بالعبد إلى حيث يفنى بمراد محبوبه عن مراده هو منه. فإذا شهد مراد محبوبه أحبّه وإن كان كريهًا إليه. فهذا لا ينكَر ولكن٦ لا ينافي التألّمَ بمراد المحبوب المنافي للمحبّ وصبره عليه، بل يجتمع في حقّه الأمران.
(١) من بيتين للقاضي أبي محمد المرتضى عبد اللَّه بن القاسم بن المظفر الشهرزوري (٤٦٥ - ٥٢١ هـ) انظر: خريدة القصر - قسم شعراء الشام (٢/ ٣١٠). وقد ذكرهما المؤلف في روضة المحبين (٤٥٣) أيضًا.
(٢) "ب، ك، ط": "الآخر".
(٣) لابن المنجّم الواعظ. وقد سبق في ص (٤٧٩).
(٤) "ب، ط": "الآخر".
(٥) لأبي الشيص الخزاعي من أبيات ستأتي في ص (٦٥٩).
(٦) "لكن" ساقط من "ط".
وتقوى هذه المحبّة باستبشاره وعلمه بعاقبة تلك البلوى وإفضائها إلى غاية النعيم واللذة. فكلّما قوي علمُه بذلك، وقويت محنته لمن ذكره بابتلائه، ازداد تلذّذُه بها، مع الكراهية الطبيعية التي هي من لوازم الخلقة؛ ولا سيّما إذا علم المحبُّ الذي أحُّط الأشياءِ إليه أن يجري ذكرُه على بال محبوبه أنَّ محبوبَه قد ذكره بنوع من الامتحان، فإنّه يفرح بذكره له، وإن ساءَه ما ذكره به، كما قال القائل:
لئن ساءَني أن نلتني بمساءَةلقد سرني أني خطرتُ ببالكا١
الوجه الثامن: قوله: "وهو على ثلاث مقامات مرتّبة بعضُها فوق بعض. فالأول: التصبر" إلى قوله: "وهو صبر العوام".
فيقال: لا ريب أنّ التصبّرَ مُوذِن بتكلف وتحمل٢ على كره، ولكن هذا لا بدّ منه في الصبر، وهو سببُه الذي يُنال به. فالتصبّر من العبد، والصبر ثمرته التي يفرغها اللَّه عليه٣ إذا تعاطاه وتكففه، كما قال النبي ﷺ: "ومَن يتصبِّر يُصبِّرْه اللَّه"٤. فمنزلة التصبّر من الصبر منزلة التعلّم والتفهم من العلم والفهم، فلابدّ منه في حصول الصبر.
(١) كذا ورد البيت في الأصل وغيره وفي مدارج السالكين (٢/ ١٩٨، ٣٧٣). والصواب في روايته: "ببالكِ"، كما في روضة المحبين (١٦٤، ٤٠٢، ٥٨٣). وإغاثة اللهفان (٩٢١). وهو من قصيدة لابن الدمينة في ديوانه (١٧). وانظر: حماسة أبي تمام (٢/ ٦١).
(٢) "ب": "بتحمل وتكلف".
(٣) "عليه" ساقط من "ك، ط".
(٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وقد سبق تخريجه في ص (٥٧٩).