وتقوى هذه المحبّة باستبشاره وعلمه بعاقبة تلك البلوى وإفضائها إلى غاية النعيم واللذة. فكلّما قوي علمُه بذلك، وقويت محنته لمن ذكره بابتلائه، ازداد تلذّذُه بها، مع الكراهية الطبيعية التي هي من لوازم الخلقة؛ ولا سيّما إذا علم المحبُّ الذي أحُّط الأشياءِ إليه أن يجري ذكرُه على بال محبوبه أنَّ محبوبَه قد ذكره بنوع من الامتحان، فإنّه يفرح بذكره له، وإن ساءَه ما ذكره به، كما قال القائل:
لئن ساءَني أن نلتني بمساءَةلقد سرني أني خطرتُ ببالكا١
الوجه الثامن: قوله: "وهو على ثلاث مقامات مرتّبة بعضُها فوق بعض. فالأول: التصبر" إلى قوله: "وهو صبر العوام".
فيقال: لا ريب أنّ التصبّرَ مُوذِن بتكلف وتحمل٢ على كره، ولكن هذا لا بدّ منه في الصبر، وهو سببُه الذي يُنال به. فالتصبّر من العبد، والصبر ثمرته التي يفرغها اللَّه عليه٣ إذا تعاطاه وتكففه، كما قال النبي ﷺ: "ومَن يتصبِّر يُصبِّرْه اللَّه"٤. فمنزلة التصبّر من الصبر منزلة التعلّم والتفهم من العلم والفهم، فلابدّ منه في حصول الصبر.
(١) كذا ورد البيت في الأصل وغيره وفي مدارج السالكين (٢/ ١٩٨، ٣٧٣). والصواب في روايته: "ببالكِ"، كما في روضة المحبين (١٦٤، ٤٠٢، ٥٨٣). وإغاثة اللهفان (٩٢١). وهو من قصيدة لابن الدمينة في ديوانه (١٧). وانظر: حماسة أبي تمام (٢/ ٦١).
(٢) "ب": "بتحمل وتكلف".
(٣) "عليه" ساقط من "ك، ط".
(٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وقد سبق تخريجه في ص (٥٧٩).
الوجه التاسع: قوله: "والثاني: الصبر، وهو نوع سهولة تخفّف على المبتلى بعضَ الثقل، وتسهّل عليه صعوبةَ المراد، وهو الصبرُ للَّه، وهو صبرُ المريدين".
فقد تقدّم أن الصبر ثمرة التصبّر، وكلاهما إنّما يُحمَد إذا كان للَّه. وإنما يكون إذا كان باللَّه، فما لم يكن به لا يكون، وما لم يكن له لا ينفع ولا يثمر؛ فكلاهما لا يحصل للمريد السالك مقصودُه إلّا أن يكون باللَّه وللَّه. قال تعالى في الصبر به: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾[النحل/ ١٢٧]. وقال في الصبر له: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾[الطور/ ٤٨].
واختلف النَّاس أيّ الصبرَين أعلى وأفضل: الصبر له، أو به؟ فقالت طائفة منهم صاحبُ كتاب١ منازل السائرين: "وأضعفُ الصبرِ الصبرُ للَّه، وهو صبر العامة. وفوقه الصبر باللَّه، وهو صبر المريد، وفوقهما الصبر على اللَّه، وهو صبر السالك"٢.
ووجه هذا القول أنَّ الصبر للَّه٣ هو صبر العابد الذي يُصبِّر نفسَه لأمر اللَّه طالبًا لمرضاته وثوابه، فهو صابر على العمل، صابر عن المحرمات. وأمَّا الصبر به فهو تبرّؤٌ من الحول والقوَّة، وإضافةُ ذلك إلى اللَّه ﷿ وهو صبر المريد. وأمَّا الصبرُ على اللَّه فصبر السالك على ما تجيء به أقداره٤ وأحكامه.
والصواب أنَّ الصبرَ للَّه أكملُ من الصبر به، فإنَّ الصبر له متعلّق