بإلهيته ومحبّته، والصبر به متعلق بربوبيته ومشيئته. وما له١ أكملُ ممَّا به، فإنَّ ما له هو الغاية، وما به هو الوسيلة، فالصبر به وسيلة، والصبر له غاية، وبينهما من التفاوت ما بين الغايات والوسائل.
وأيضًا فإنَّ الصبر له متعلق بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، والصبر به متعلّق بقوله٢: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥﴾. وهاتان الكلمتان منقسمتان بين العبد وبين اللَّه، كما ثبت عن النبيّ ﷺ فيما يروي عن ربه. و"إياك نعبد" هي التي للَّه، "وإياك نستعين" هي التي للعبد٣؛ وما للَّه أكمل ممَّا للعبد، فما تعلّق بما هو له أفضل مما تعلق بما هو للعبد.
وأيضًا فالصبر له مصدره المحبة، والصبر به مصدره الاستعانة، والمحبّة أكمل من الاستعانة.
وأمَّا الصبر على اللَّه سبحانه فهو الصبر على أحكامه الدينية والكونية. فهو يرجع إلى الصبر٤ على أوامره، والصبر على ابتلائه، فليس في الحقيقة قسمًا ثالثًا٥، واللَّه أعلم.
فقد تبيّن أنَّ الصبر بجميع أقسامه أصل مقامات الإيمان، وهو أصل كمال العبد٦ الذي لا كمال له بدونه. ولا يذَمّ منه إلا قسم واحد، وهو
(١) "ط": "وما هو له" وكذلك في الجمل اللاحقة زيد فيها "هو" بعد "ما".
(٢) "والصبر به متعلق بقوله" ساقط من "ب، ط".
(٣) نص الحديث في صحيح مسلم، كتاب الصلاة (٣٩٥) عن أبي هريرة ﵁.
(٤) "ف": "التصبر".
(٥) "ب": "قسم ثالث".
(٦) "ك، ط": "لكمال العبد".
الصبر عن اللَّه سبحانه، فإنَّه صبر المعرضين المحجوبين. فالصبرُ عن المحبوب أقبح شيء وأسوؤه، وهو الذي يُسقط المحبَّ من عين محبوبه، فإنَّ المحبّ كلَّما كان أكمل محبه كان صبره عن محبوبه متعذرًا.
الوجه العاشر: قوله: "الثالث الاصطبار، وهو التلذّذ بالبلوى والاستبشار باختيار المولى. وهذا هو الصبر على اللَّه، وهو صبر العارفين".
فيقال: الاصطبار افتعال من الصبر، كالاكتساب والاتخاذ، وهو مُشعِر بزيادة المعنى على الصبر، كأنَّه صار سجيّةً وملكةً، فإنَّ هذا البناء مُوذِن بالاتخاذ والاكتساب، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾[القمر/ ٢٧]. فالاصطبار١ أبلغ من الصبر، كما أنَّ الاكتساب أبلغ من الكسب، ولهذا كان في العمل الذي يكون على صاحبه، والكسب٢ فيما له. قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾[البقرة/ ٢٨٦] تنبيهًا على أنَّ الثواب يحصل لها بأدنى سعي وكسب، وأنَّ العقاب إنَّما هو باكتسابها وتصرفها وما تعانيه.
وإذا عُلِمَ هذا فالتلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار اللَّه سبحانه لا يخص الاصطبار٣، بل يكون مع الصبر ومع التصبّر؛ ولكن لمَّا كان الاصطبار أبلغَ من الصبر وأقوى، كان بهذا التلذّذ والاستبشار أولى. واللَّه أعلم.