وفَرْقٌ بين من يحمله على ترك معصية سيّده خوفُه من سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبُّه لسيّده. وفي هذا قال عمر: "نعم العبد صهيب، لو لم يخَفِ اللَّهَ لم يعصِه"١ يعني أنّه لو لم يخف من اللَّه لكان في قلبه من محبّة اللَّه وإجلاله ما يمنعه من معصيته. فالمحبّ الصادق عليه رقيبٌ من محبوبه يرعى قلبه وجوارحه، وعلامة صدق المحبّة شهودُ هذا الرقيب ودوامه.
وههنا لطيفة يجب التنبه لها، وهي أن المحبّة المجرّدة لا توجب هذا الأثَر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه، فإذا قارنها الإجلالُ٢ والتعظيمُ أوجبت هذا الحياءَ والطاعة، وإلّا فالمحبة الخالية عنهما إنّما توجب نوعَ أُنس وانبساط وتذكّر واشتياق. ولهذا يتخلّف عنها أثرها وموجَبها٣، ويفتّش العبد قلبَه فيرى نوع محبّة للَّه، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه، وسبب ذلك تجرّدها عن الإجلال والتعظيم. فما عمر القلبَ شيءٌ كالمحبّة المقترنة بإجلال اللَّه وتعظيمه، وتلك من أفضل مواهب اللَّه لعبده أو أفضلها، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.
السبب السادس: شرفُ النفس وزكاؤها وفضلُها وأنَفتهُا وحميّتُها أن تختار الأسباب التي تحطّها وتضع قدرها، وتخفض منزلتها وتُحقَرها، وتسوّي بينها وبين السَّفِلة.
(١) وهو أثر مشهور، ولكن لم يوقف له على أصل. انظر: المقاصد الحسنة (٥٢٦). وانظر في تأويله: بدائع الفوائد (٩٢) وجامع المسائل لشيخ الإسلام (٣/ ٣١٥).
(٢) "ط": " بالإجلال".
(٣) "وموجبها" ساقط من "ب".
السبب السابع: قوة العلم بسوءِ عاقبة المعصية، وقبح أثرها، والضرر الناشئ منها١: من سواد الوجه، وظلمة القلب، وضيقه وغمّه٢، وحزنه وألمه، وانحصاره، وشدّة قلقه واضطرابه، وتمزق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعزيه من زينته بالثوب الذي جمّله اللَّه وزيّنه به، والعصرة التي تناله، والقسوة والحيرة في أمره، وتخلي وليّه وناصره عنه، وتوئي عدؤه المبين له، وتواري العلم الذي كان مستعذًا له عنه، ونسيان ما كان حاصلًا له أو ضعفه ولابدّ، ومرضه الذي إذا استحكم به فهو الموت ولابدّ، فإنّ الذنوب تميت القلوب٣.
ومنها: ذلّة بعد عزة.
ومنها: أنّه يصير أسيرًا في يد أعدائه بعد أن كان ملكًا متصرفًا يخافه أعداؤه.
ومنها: أنّه يضعف تأثيرُه، فلا يبقى له نفوذ في رعيَّته ولا في الخارج، فلا رعيّته تطيعه إذا أمرها، ولا ينفذ في غيرهم.
ومنها: زوال أمنه وتبدّله به مخافةً، فأخوفُ الناس أشدُّهم إساءَة.