وصلت إلى اللَّه سبحانه، فُتِحَتْ لأرواحهم حتى وصلت إليه سبحانه، وقامت بين يديه، فرحمها، وأمر بكتابة اسمها في علّيّين.
ومنها: خروجه من حصن اللَّه الذي لا ضيعة على من دخله. فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهبًا للّصوص وقُطَّاع الطريق. فما الظنّ بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه آفة، إلى خِرْبةٍ موحشةٍ١ مأوى اللصوص وقطاع الطريق، فهل يتركون معه شيئًا من متاعه؟
ومنها: أنَّه بالمعصية قد تعرَّض لِمَحْقِ بَرَكتِه في كلِّ شيءٍ من أمر دنياه وآخرته. فإنَّ الطاعة تجلب للعبد بركاتِ كل شيء، والمعصية تمحق عنه كل بركة٢.
وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثرُ من أن يحيط بها العبد علمًا، وآثارُ الطاعة الحسنة أكثرُ من أن يحيط بها علمًا. فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة اللَّه، وشرّ الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته٣. وفي بعض الآثار يقول اللَّه تعالى: "من ذا الذي أطاعني، فشقِيَ بطاعتي؟ ومن ذا الذي عصاني، فسعدَ بمعصيتي؟ "٤
السبب الثامن: قِصَر الأمل، وعلمُه بسرعة انتقاله، وأنَّه كمسافر دخلَ قريةَ وهو مُزمِعٌ على الخروج منها، أو كراكب قال في ظل شجرة ثمَّ سار وتركها، فهو لعلمه بقلَّة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما
(١) زاد بعدها في "ط": "هي".
(٢) "في كلِّ شيءٍ من أمر. . . " إلى هنا ساقط من "ط".
(٣) "ب": "معصية اللَّه".
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٦٦٧٣) من حديث وهب بن منبه. (ز).
يُثقِلُه حملُه ويضرّه ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته. فليس للقلب١ أنفعُ من قِصَر الأمل، ولا أضرُّ من التسويف وطول الأمل.
السبب التاسع: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس. فإنَّ قوَّة الداير إلى المعاصي إنَّما تنشأ٢ من هذه الفضلات، فإنَّها تطلب لها مصرفًا، فيضيق عليها المباحُ، فتتعدَّاه إلى الحرام، ومن أعظم الأشياء ضررًا على العبد بطالتُه وفراغه، فإنَّ النَّفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شَغَلَتْه بما يضرّه ولابدّ.
السبب العاشر، وهو الجامع لهذه الأسباب كلّها، وهو٣: ثبات شجرة الإيمان في القلب. فصبر العبد عن المعاصي إنَّما هو بحسب قوَّة إيمانه، فكلَّما كان إيمانه أقوى كان صبره أتمّ، وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر. فإنَّ من باشر قلبَه الإيمانُ بقيام اللَّه عليه، ورؤيته له، وتحريمه لما حرَّم عليه، وبغضِه له، ومقتِه لفاعله؛ وباشر قلبَه الايمانُ بالثواب والعقاب والجنَّة والنَّار = امتنع منه٤ أن لا يعمل بموجَب هذا العلم. ومن ظنَّ أنَّه يقوى على ترك المخالفات والمعاصي بدون الإيمان الرَّاسخ الثابت٥، فقد غلط. فإذا قوي سراج الإيمان في القلب، وأضاءَت جهاته كلها به، وأشرقَ نورُه في أرجائه؛ سرى ذلك النور إلى الأعضاء، وانبعث إليها، فأسرعت الإجابة لداير الإيمان، وانقادت له