طريق الهجرتين

ترك الطاعة الكسل والبطالة والمهانة، ولا ريبَ أنَّ داعي المعصية أقوى.

قالوا: ولأنَّ العصيان قد اجتمع عليه داير النفس والشيطان١ والهوى، وأسباب الدنيا، وقرناءُ الرجل، وطلب التشبه والمحاكاة، وميل الطبع. وكل واحد من هذه الدواعي يجذب العبد إلى المعصية، ويطلب٢ أثره؛ فكيف إذا اجتمعت وتظاهرت على القلب؟ فأيّ صبر أقوى من صبره٣ عن إجابتها؟ ولولا انَّ اللَّه يُصبّره لما تأتَّى منه الصبر. وهذا القول -كما ترى- حجَّته في غاية الظهور.

ورجّحت طائفةٌ الصبرَ على الطاعة بناءً منها على أنَّ فعل المأمورات٤ أفضل من ترك المنهيّات، واحتجّت على ذلك بنحو من عشرين حُجَّة٥. ولا ريب أن فعل المأمورات إنَّما يتم بالصبر عليها، فإذا كان فعلها أفضل كان الصبر عليها أفضل.

وفصل النزاع في ذلك أن هذا يختلف باختلاف الطاعة والمعصية، فالصبر على الطاعة العظيمة٦ الكبيرة أفضل من الصبر عن المعصية

  1. (١) "ط": "والهوى والشيطان".
  2. (٢) "ط": "صبر".
  3. (٣) "ف": "تجذب. . . تطلب". والأصل غير منقوط.
  4. (٤) "ك، ط": "المأمور".
  5. (٥) ذكر المصنف في مدارج السالكين (٢/ ١٨٨) أن شيخ الإسلام كان يقول: الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، وأن له في ذلك مصنّفًا قرره فيه بنحوِ من عشرين وجهًا. وقد ذكر في عدة الصابرين (٦٨ - ٧٥) عشرين وجهًا، ولكن لم يشر إلى أنّه قول شيخ الإسلام. وهكذا ذكر في الفوائد (١١٩ - ١٢٨) قول سهل بن عبد اللَّه التستري: "إن ترك الأمر عند اللَّه أعظم من ارتكاب النهي"، ونصره بثلاثة وعشرين وجهًا.
  6. (٦) "ك، ط": "المعظمة".
599

الصغيرة الدنيّة، والصبر عن المعصية الكبيرة أفضل من الصبر على الطاعة الصغيرة. فصبر١ العبد على الجهاد مثلًا أفضل وأعظم من صبره عن كثير من الصغائر، وصبره عن كبائر الإثم والفواحش أعظم من صبره على صلاة الضحى٢ وصوم يوم تطوعًا ونحوه. فهذا فصل النزاع في المسألة. واللَّه أعلم.

فصل

والصبر على البلاءِ ينشأ٣ من أسباب عديدة:

أحدها: شهود جزائها وثوابها.

الثاني: شهود تكفيرها للسّيئات ومحوها لها.

الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنَّها مقدّرة في أمّ الكتاب قبل أن تخلق، فلابد منها؛ فجزعه لا يزيده إلا بلاءً.

الرابع: شهوده حقَّ اللَّه عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها، وهو٤ الصبرُ بلا خلاف بين الأمّة، أو الصبر والرضا على أحد القولين. فهو مأمورٌ بأداء حقّ اللَّه وعبوديته عليه في تلك البلوى، فلابدَّ له منه، وإلا تضاعفت عليه.

الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ

  1. (١) "ط": "وصبر".
  2. (٢) "ط": "الصبح".
  3. (٣) "ف": "نشأ".
  4. (٤) "وهو": ساقط من "ط".
600

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي