طريق الهجرتين

مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى/ ٣٠].

وهذا١ عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فيشغله٢ شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في رفع٣ تلك المصيبة. قال علي بن أبي طالب: "ما نزل بلاءٌ إلّا بذنب، ولا رُفِع بلاءٌ إلّا بتوبة"٤.

السادس: أن يعلم أنّ اللَّه قد ارتضاها له واختارها وقسَمها، وأنّ العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سندُه ومولاه. فإن لم يُوفِ هذا المقام٥ حقَّه، فهو لضعفه؛ فلينزل إلى مقام الصبر عليها. فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدَّي الحق.

السابع: أن يعلم أنّ هذه المصيبة هي دواءٌ نافع ساقه إليه الطبيبُ العليمُ بمصلحته الرحيمُ به، فليصبر على تجرّعه، ولا يتقيّأْه بتسخطه وشكواه، فيذهبَ نفعه باطلًا.

الثامن: أن يعلم أنّ في عُقبى هذا الدواءِ من الشفاءِ والعافية والصحّة وزوال الألم ما لا يحصل٦ بدونه. فإذا طالعت نفسه

  1. (١) "ط": "فهذا".
  2. (٢) "ط": "فشغله".
  3. (٣) "ك، ط": "دفع".
  4. (٤) نقله المصنّف في كتاب الداء والدواء (١١٨) أيضًا عن علي بن أبي طالب ﵁، ولكن نقله شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٨/ ١٦٣) عن عمر بن عبد العزيز.
  5. (٥) "ك، ط": "قدر المقام"، خطأ.
  6. (٦) "ط": "لم يحصل"، خطأ.
601

كراهية١ هذا الدواءِ ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره. قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٢١٦﴾ [البقرة/ ٢١٦]. وقال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ١٩﴾ [النساء/ ١٩]. وفي مثل هذا قال القائل:

لعلَ عتَبك محمودٌ عواقبُهوربّما صحّت الأجسامُ بالعِلَلِ٢

التاسع: أن يعلم أنّ المصيبة ما جاءَت لِتُهلِكَه وتقتلَه، وإنّما جاءَت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبيّن حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه٣ أم لا؟ فإن ثبت اصطفاه واجتباه، وخلع عليه خِلَع الإكرام، وألبسه ملابس الفضل، وجعل أولياءَه وحزبه خدَمًا له وعونًا له. وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طُرِدَ، وصُفِع قفاه، وأُقصي، وتضاعفت عليه المصيبة. وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها٤ وزيادتها، ولكن سيعلم بعد ذلك بأنّ المصيبة في حقّه صارت٥ مصائب، كما يعلم الصابر أن المصيبة في حقّه صارت نعمًا عديدة. وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلّا صبر ساعة، وتشجيع القلب في تلك الساعة. والمصيبة لا بدّ أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات، وعن الآخر بالحرمان والخذلان.

  1. (١) "ب، ك، ط": "كراهة".
  2. (٢) "ب": "الأجساد بالعلل". والبيت لأبي الطيب، وقد سبق (٣٦٧، ٥٠٨).
  3. (٣) "وحزبه" ساقط من "ب".
  4. (٤) "ف": "بتضاعيفها"، خطأ
  5. (٥) "ب": "صارت في حقه".
602

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي