وصول النعم إليه. فالجبن ترك الإحسان بالبدن، والبخل ترك الإحسان بالمال.
وضلع الدَّين وغلبة الرجال١ قرينان، فإنَّ القهر والغلبة الحاصلة للعبد إمَّا منه، وإمَّا من غيره. وإن شئت قلت: إمَّا بحقٍّ، وإمَّا بباطل. فضلعُ الدين غلبةٌ سببها منه، وهي غلبة٢ بحقٍّ. وغلبةُ الرجال قهرٌ بباطل٣ من غيره٤.
والمقصود أنَّ النبيّ ﷺ جعل الحزن مما يستعاذ منه. وذلك لأنَّ الحزن يُضعِف القلب، ويُوهِن العزم، ويغيّر٥ الإرادة؛ ولا شيء أحبُّ إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾[المجادلة/ ١٠].
فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، والثواب عليه ثواب٦ على المصائب التي يُبتلى العبدُ بها بغير اختياره، كالمرض والألم ونحوهما. وأمَّا أن يكون عبادةً مأمورًا بتحصيلها وطلبها فلا. فَفرْقٌ [بين]٧ ما يثاب عليه العبد من المأمورات، وما يثاب عليه
(١) "ك، ط": "وغلبة الدَّين وقهر الرِّجال". وهي رواية أخرى في الحديث. ومن هنا قال المؤلف في الجملة التالية: "فإنَّ القهر والغلبة".
(٢) "ف": "عليه"، تصحيف.
(٣) "فضلع الدين. . . " إلى هنا ساقط من "ط".
(٤) وانظر في شرح الحديث أيضًا: مفتاح دار السعادة (١/ ٣٧٥)، وبدائع الفوائد (٧١٤).
(٥) "ب": "يفتر"، قراءة محتملة. وفي "ك، ط": "يضر".
(٦) "ثواب" ساقط من "ك، ط".
(٧) ما بين الحاصرتين من "ف" وغيرها، ولعله سقط من الأصل سهوًا. وفي =
من البليَّات.
ولكن يُحمَد في الحزن سببُه ومصدرُه ولازمُه، لا لذاته. فإنَّ المؤمن إمَّا أن يحزنَ على تفريطه وتقصيره في خدمة ربه وعبوديته، وإمَّا أن يحزن على تورّطه في مخالفته ومعصيته وضياع أيامه وأوقاته. وهذا يدلُّ على صحّة الإيمان في قلبه وعلى حياته، حيث شعر١ قلبُه بمثل هذا الألم، فحزن عليه. ولو كان قلبه ميّتًا لم يحسّ بذلك، ولم يحزن، ولم يتألَّم، فما لِجُرحٍ بميّتٍ إيلام٢. وكلَّما كان قلبُه أشدَّ حياةً كان شعوره بهذا الألم أقوى، ولكنَّ الحزن لا يجدي عليه، فإنَّه يُضعِفه، كما تقدّم. بل الذي ينفعه أن يستقبل السيرَ، ويجدّ، ويشمِّر، ويبذل جهده.
وهذا نظيرُ من انقطع عن رُفْقتِه في السفر، فجلس في الطريق حزينًا كئيبًا يشهد انقطاعَه وسبقَ رفقته، فقعودُه لا يجدي شيئًا. بل إذا عرف الطريق فالأولى له أن ينهض، ويجدّ في السير٣، ويحدّث نفسَه باللَّحاق بالقوم. وكلَّما٤ فترَ وحزِن حدّث نفسَه باللحاق برفقته، ووعدها -إن صبرَتْ- أن تلحق بهم، وتزول عنها وحشةُ الانقطاع. فهكذا السالك إلى منازل الأبرار، وديار المقرَّبين.
= "ب": "فقرن بين"، تحريف.
(١) "ك، ط": "شغل"، تحريف.
(٢) من قول المتنبي (ديوانه ٢٤٥): من يَهُنْ يسهلِ الهوانُ عليه ... ما لجُرْحٍ بميِّتٍ إيلَامُ
(٣) "وسبق رفقته. . . " إلى هنا ساقط من "ب، ك، ط". وقد استدركها بعضهم في حاشية "ك".