طريق الهجرتين

وأخمصُّ من هذا الحزنُ١ على قطع الوقت بالتفرقة المضعِفة للقلب عن تمام سيره وجدّه في سلوكه، فإنَّ التفرقة من أعظم البلاءِ على السالك، ولا سيما في ابتداءِ أمره. فالأول حزن على التفريط٢ في الأعمال، وهذا حزن على نقص حاله مع اللَّه، وتفرقة قلبه عنه٣، وكيف صار ظرفًا لتفرقة حاله، واشتغال قلبه بغير معبوده؟

وأخصُّ من هذا الحزنِ حزنُه على جزءٍ من أجزاءِ قلبه كيف هو خالٍ من محبة اللَّه؟ وعلى جزءٍ من أجزاءِ بدنه كيف هو متصرّف٤ في غير محابّ اللَّه؟ فهذا حزن الخاصَّة. ويدخل في هذا حزنهم على كلِّ معارض يشغلهم عمَّا هم بصدده، من خاطر أو إرادة أو شاغل من خارج.

فهذه المراتب من الحزن لا بدَّ منها في الطريق، ولكن الكيِّس من٥ لا يدعها تملكه وتُقعِده، بل يجعل عوضَ فكرتَه فيها فكرتَه فيما يدفعها به. فإنَّ المكروه إذا وردَ على النفس، فإن كانت صغيرةً اشتغلت بفكرها فيه وفي حصوله عن الفكرة في الأسباب التي تدفعها٦ به، فأورثَها الحزن. وإن كانت نفسًا كبيرةً شريفةً لم تفكّر فيه، بل تصرف فكرَها إلى ما ينفعها. فإن علمتْ منه مخرجًا فكّرتْ في طريق ذلك المخرج وأسبابه، وإن علمتْ أنه لا مخرجَ منه، فكَّرت في عبودية اللَّه فيه،

  1. (١) "ك، ط": "من هذا الحزن حزنُه".
  2. (٢) "ف": "التوسط"، تحريف.
  3. (٣) "عنه" ساقط من "ك، ط".
  4. (٤) "ط": "منصرف".
  5. (٥) "من" ساقط من "ك، ط".
  6. (٦) في "ف" وغيرها: "يدفعها" والأصل غير منقوط. والسياق يقتضي قراءتنا.
609

فكان١ ذلك عوضًا لها من الحزن. فعلى كلّ حالٍ لا فائدة لها في الحزن أصلًا. واللَّه أعلم.

وقال بعض العارفين: "ليست الخاصَّة من الحزن في شيءٍ"٢.

وقوله ﵀: "معرفة اللَّه جلا نورُها كلّ ظلمة، وكشف سرورُها كلَّ غمَّة" كلام في غاية الحسن. فإنَّ من عرف اللَّه أحبَّه ولا بدَّ، ومن أحبَّه انقشعتْ عنه سحائبُ الظلمات، وانكشفتْ عن قلبه الهمومُ والغمومُ والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفودُ التهاني والبشائر من كلِّ جانب، فإنَّه لا حزن مع اللَّه أبدًا.

ولهذا قال تعالى حكايةً عن نبيّه أنَّه قال لصاحبه٣: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة/ ٤٠]. فدلَّ على٤ أنَّه لا حزنَ مع اللَّه، وأنَّ من كان اللَّه معه فما له وللحزن؟ وإنَّما الحزن كلّ الحزن لمن فاته اللَّه، فمن حصل اللَّهُ له، فعلى أيّ شيءٍ يحزَن؟ ومن فاته اللَّه، فبأيّ شيءٍ يفرح؟ قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس/ ٥٨].

فالفرحُ بفضله وبرحمته٥ تبعٌ للفرح به سبحانه، فالمؤمن يفرح بربّه أعظمَ من فرح كلّ أحد بما يفرح به، من حبيب أو جاه٦ أو مال أو نعمة

  1. (١) "ط": "وكان".
  2. (٢) من كلام الهروي في منازل السائرين (٢٠). وانظر: مدارج السالكين (١/ ٦٠٣).
  3. (٣) "ط": "لصاحبه أبي بكر".
  4. (٤) "على" ساقط من "ك، ط".
  5. (٥) "ك، ط": "ورحمته".
  6. (٦) "ك، ط": "حياة"، تحريف.
610

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي