طريق الهجرتين

فكان١ ذلك عوضًا لها من الحزن. فعلى كلّ حالٍ لا فائدة لها في الحزن أصلًا. واللَّه أعلم.

وقال بعض العارفين: "ليست الخاصَّة من الحزن في شيءٍ"٢.

وقوله ﵀: "معرفة اللَّه جلا نورُها كلّ ظلمة، وكشف سرورُها كلَّ غمَّة" كلام في غاية الحسن. فإنَّ من عرف اللَّه أحبَّه ولا بدَّ، ومن أحبَّه انقشعتْ عنه سحائبُ الظلمات، وانكشفتْ عن قلبه الهمومُ والغمومُ والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفودُ التهاني والبشائر من كلِّ جانب، فإنَّه لا حزن مع اللَّه أبدًا.

ولهذا قال تعالى حكايةً عن نبيّه أنَّه قال لصاحبه٣: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة/ ٤٠]. فدلَّ على٤ أنَّه لا حزنَ مع اللَّه، وأنَّ من كان اللَّه معه فما له وللحزن؟ وإنَّما الحزن كلّ الحزن لمن فاته اللَّه، فمن حصل اللَّهُ له، فعلى أيّ شيءٍ يحزَن؟ ومن فاته اللَّه، فبأيّ شيءٍ يفرح؟ قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس/ ٥٨].

فالفرحُ بفضله وبرحمته٥ تبعٌ للفرح به سبحانه، فالمؤمن يفرح بربّه أعظمَ من فرح كلّ أحد بما يفرح به، من حبيب أو جاه٦ أو مال أو نعمة

  1. (١) "ط": "وكان".
  2. (٢) من كلام الهروي في منازل السائرين (٢٠). وانظر: مدارج السالكين (١/ ٦٠٣).
  3. (٣) "ط": "لصاحبه أبي بكر".
  4. (٤) "على" ساقط من "ك، ط".
  5. (٥) "ك، ط": "ورحمته".
  6. (٦) "ك، ط": "حياة"، تحريف.
610

أو مُلك، ففرحُ١ المؤمن بربِّه أعظمُ من هذا كلّه. ولا ينال القلبُ حقيقةَ الحياة حتّى يجدَ طعمَ هذه الفرحة والبهجة، فيظهرَ سرورُها في قلبه ونضرتُها٢ في وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقَّاهم اللَّه نضرةً وسرورًا. فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون! فهذا هو العلَم الذي شمَّر إليه أولو الهمم والعزائم، واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم.

تلك المكارمُ لا قَعْبان من لبَنٍشِيبا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا٣
  1. (١) "ك، ط": "يفرح".
  2. (٢) "ط": "مضرّتها"، تحريف.
  3. (٣) البيت لأميّة بن أبي الصلت في ديوانه (٤٥٩).
611

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي