أو مُلك، ففرحُ١ المؤمن بربِّه أعظمُ من هذا كلّه. ولا ينال القلبُ حقيقةَ الحياة حتّى يجدَ طعمَ هذه الفرحة والبهجة، فيظهرَ سرورُها في قلبه ونضرتُها٢ في وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقَّاهم اللَّه نضرةً وسرورًا. فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون! فهذا هو العلَم الذي شمَّر إليه أولو الهمم والعزائم، واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم.
تلك المكارمُ لا قَعْبان من لبَنٍشِيبا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا٣
(١) "ك، ط": "يفرح".
(٢) "ط": "مضرّتها"، تحريف.
(٣) البيت لأميّة بن أبي الصلت في ديوانه (٤٥٩).
فصل
والمثال السادس: الخوف.
قال أبو العبّاس: "هو الانخلاعُ عن طمأنينة الأمن، والتيقّظُ لنداءِ الوعيد، والحذرُ من سطوة العقاب. وهو من منازل العوامّ أيضًا. وليس في منازل الخواصّ خوف، لأنَّه لا أمان للغافل، إنَّما يعبد١ مولاه على وحشة من نظره، ونفرة من الأنس به عند ذكره. ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾[الشورى/ ٢٢]. وأمَّا الخواصّ أهل الاختصاص٢، فإنَّهم جعلوا الوعيد منه وعدًا، والعذابَ فيه عَذْبًا، لأنَّهم شاهدوا المبتلي في البلاءِ، والمعذِّب في العذاب، فاستعذبوا ما وجدوا في جنب ما شاهدوا. وفي ذلك٣ قال قائلهم:
سَقَمي في الحبِّ عافيتيووجودي في الهوى عدَمي
وعذابٌ ترتضون بهفي فمي أحلى من النِّعم٤
ومن كان مستغرقًا في المشاهدة حلَّ٥ في بساط الأنس، فلا يبقى للخوف بساحته ألم٦؛ لأنَّ المشاهدة تُوجِب الأنس، والخوف يُوجِبُ
(١) في محاسن المجالس: ". . خوف؛ لأنه لا يليق للعبد أن يعبد".
(٢) "ف": "وأهل الاختصاص"، سهو.
(٣) "ك، ط": "شاهدوا في ذلك".
(٤) البيتان مع ثالث في المدهش (٤٥١). وذكر في نفح الطيب (٥/ ٥٩٨) أنَّها تنسب إلى الحلّاج.
(٥) في المجالس: "حالّ" وفي نسخة منه: "جائلًا".
(٦) كذا في الأصل وغيره. وفي المجالس: "إلمام". وهو الصواب الظاهر.