قال أبو العبّاس: "هو الانخلاعُ عن طمأنينة الأمن، والتيقّظُ لنداءِ الوعيد، والحذرُ من سطوة العقاب. وهو من منازل العوامّ أيضًا. وليس في منازل الخواصّ خوف، لأنَّه لا أمان للغافل، إنَّما يعبد١ مولاه على وحشة من نظره، ونفرة من الأنس به عند ذكره. ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾[الشورى/ ٢٢]. وأمَّا الخواصّ أهل الاختصاص٢، فإنَّهم جعلوا الوعيد منه وعدًا، والعذابَ فيه عَذْبًا، لأنَّهم شاهدوا المبتلي في البلاءِ، والمعذِّب في العذاب، فاستعذبوا ما وجدوا في جنب ما شاهدوا. وفي ذلك٣ قال قائلهم:
سَقَمي في الحبِّ عافيتيووجودي في الهوى عدَمي
وعذابٌ ترتضون بهفي فمي أحلى من النِّعم٤
ومن كان مستغرقًا في المشاهدة حلَّ٥ في بساط الأنس، فلا يبقى للخوف بساحته ألم٦؛ لأنَّ المشاهدة تُوجِب الأنس، والخوف يُوجِبُ
(١) في محاسن المجالس: ". . خوف؛ لأنه لا يليق للعبد أن يعبد".
(٢) "ف": "وأهل الاختصاص"، سهو.
(٣) "ك، ط": "شاهدوا في ذلك".
(٤) البيتان مع ثالث في المدهش (٤٥١). وذكر في نفح الطيب (٥/ ٥٩٨) أنَّها تنسب إلى الحلّاج.
(٥) في المجالس: "حالّ" وفي نسخة منه: "جائلًا".
(٦) كذا في الأصل وغيره. وفي المجالس: "إلمام". وهو الصواب الظاهر.
القبض".
ثمَّ ذكر حكاية المضروب الذي ضُرِب مائةَ سوط فلم يتألّم لأجب نظرِ محبوبه إليه، ثمَّ ضُرِبَ سوطًا، فصاحَ لمَّا توارى عنه محبوبُه. قال: "وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾[الشورى/ ٢٦]: دليلُ خطابه أنَّ المؤمنين لهم عذاب، ولكن ليس بشديد. وإنَّما كان عذاب الكافرين شديدًا لأنّهم لا يشاهدون المعذِّب لهم. والعذابُ على شهود المعذِّب عَذْبٌ، والثوابُ على الغفلة من المعطي صَعْبٌ. فالخوفُ إذًا من منازل العوامّ"١.
والكلام على ما ذكره من وجوه:
أحدها: أنَّ الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التي عليها مدار مقامات السالكين جميعها، وهي: الخوف، والرجاءُ، والمحبَّة. وقد ذكره سبحانه في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ٥٦ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾[الإسراء/ ٥٦ - ٥٧]. فجمع بين المقامات الثلاثة، فإنَّ ابتغاءَ الوسيلة إليه هو التقرّب إليه بحبّه وفعلِ ما يحبّه. ثمَّ قال٢: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، فذكر الحبّ، والخوف، والرجاءَ. والمعنى أنَّ هؤلاء٣ الذين تدعونهم من دون اللَّه من الملائكة والأنبياء والصالحين يتقرّبون إلى ربّهم ويخافونه ويرجونه، فهم عبيده، كما أنكم عبيده، فلماذا تعبدونهم من دونه،