العامة، وهم إليه أحوج، وهو بهم ألصق١، ولهم ألزم. فإنَّ العبد إمَّا أن يكون مستقيمًا، أو مائلًا عن الاستقامة. فإن كان مائلًا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على مَيله، ولا يصحّ الإيمان إلا بهذا الخوف. وهو ينشأ من ثلاثة أمور:
أحدها: معرفته بالجناية وقبحها.
والثاني: تصديق الوعيد وأنَّ اللَّه رتَّب على المعصية عقوبَتها.
والثالث: أنَّه لا يعلم لعلّه يُمنَع من التوبة ويُحال بينه وبينها إذا ارتكبَ الذنبَ.
فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه. فإنَّ الحامل على الذنب إمَّا أن يكون عدم علمه بقبحه، وإمَّا عدم علمه بسوءِ عاقبته، وإمَّا أن يجتمع له الأمران لكن يحمله عليه اتّكاله على التوبة، وهو الغالب من ذنوب أهل الإيمان. فإذا علم قبحَ الذنب، وعلم سوءَ مغبّته، وخاف أن لا يُفتح له بابُ التوبة بل يُمنعها ويحال بينه وبينها = اشتدَّ خوفُه. هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشدّ. وبالجملة، فمن استقرَّ في قلبه ذكرُ الدار الآخرة وجزائها، وذكرُ المعصية والتوعّد عليها، وعدمُ الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح = هاج من٢ قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتَّى ينجو.
وأمَّا إن كان مستقيمًا مع اللَّه، فخوفه يكون مع جرَيان الأنفاس، لِعلمه بانَّ اللَّه مقلب القلوب، وما من قلب إلا وهو بين إصبَعين من
(١) "ك، ط": "أليق".
(٢) كذا في الأصل وغيره. وفي "ط": "في".
أصابع الرحمن ﷿، فإن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاءَ أن يُزيغه أزاغه، كما ثبت عن النبيّ ﷺ١. وكانت أكثر يمينه ﷺ: "لا ومقلِّب القلوب، لا ومقلِّب القلوب"٢. وقال بعض السلف: "القلبُ أشدّ تقلُّبًا من القِدْر إذا استجمعتْ غلَيانًا"٣. وقال بعضهم: "مثل القلب في سرعة تقلّبه كريشةٍ مُلقاةٍ بأرض فلاة تقلبها الرياحُ ظهرًا لبطن"٤. ويكفي في هذا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾[الأنفال/ ٢٤].
فأيّ قرار لمن هذه حاله؟ ومن أحقّ بالخوف منه؟ بل خوفه لازم له في كلِّ حال، وإن توارى عنه بغلبة حالةٍ أخرى عليه. فالخوف حشو قلبه، لكن توارى عنه بغلبة٥ غيره، فوجود الشيء غير العلم به.
فالخوف الأوَّل ثمرة العلم بالوعد والوعيد، وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة اللَّه وعزَّته وجلاله، وأنَّه الفعَّال لما يريد، وأنَّه المحرّك للقلب، المصرِّف له، المقلب له كيف يشاء، لا إله إلا هو.
الوجه الثاني: قوله: "ليس في منازل الخواصّ خوف" قد تبيّن
(١) تقدّم تخريجه في ص (١٧).
(٢) تقدّم تخريجه في ص (١٣٧).
(٣) حديث مرفوع أخرجه أحمد (٢٣٨١٦)، والطبراني في الكبير (٥٩٩)، والحاكم (٢/ ٢٨٩) من طريقين عن المقداد بن الأسود أحدهما منقطع، والآخر لا بأس به. قال الحاكم: "هذا حديث على شرط البخاري ولم يخرِّجاه"، وقال الهيثمي: "رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها ثقات".