بما لا يطالَب به غيره، ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره. ونظير هذا في الشاهد١ أنَّ الماثلَ بين يدي أحد الملوك المشاهِدَ له أشدُّ خوفًا منه من البعيد عنه، بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه، وأنَّه يطالَب من حقوق الخدمة وآدابها٢ بما لا يطالَب به غيرُه، فهو أحقّ بالخوف من البعيد.
ومَن تصوَّر هذا حقّ تصوُّره فَهِمَ قولَه ﷺ: "إنِّي أعلمكم باللَّه وأشدكم له خشية"٣، وفهمَ قولَه ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ اللَّه تعالى لو عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم لهم. ولو رحمهم كانت رحمتُه لهم خيرًا من أعمالهم"٤.
وليس المراد أنَّه٥ لو عذبهم لتصرف في ملكه، والمتصرف في ملكه غير ظالم، كما يظنّه كثير من النَّاس؛ فإنَّ هذا لا يتضمَّن٦ مدحًا، والحديث إنَّما سيق للمدح وبيان عِظَم حقّ اللَّه على عباده، وأنَّه لو عذَّبهم لعذّبهم بحقّه عليهم، ولم يكن تعذيبه ظلمًا لهم٧ بغير استحقاق، فإنَّ حقَّه سبحانه عليهم أضعافُ أضعافِ ما أتوا. ولهذا قال
(١) "ط": "المشاهد"، تحريف.
(٢) نقطة الباء واضحة في الأصل، ولكن قرأها ناسخ "ف": "أدائها". وكذا في "ب، ك، ط".
(٣) تقدّم تخريجه قريبًا.
(٤) تقدم تخريجه في ص (١٦٤).
(٥) في "ف" مكان "أنّه": "به"، خلاف الأصل. وكذا في "ب، ك، ط".
(٦) "ط": "هذا يتضمن". وكذا في "ك"، واستدرك بعضهم في الحاشية.
(٧) "وبيان عظم حق اللَّه. . ." إلى هنا ساقط من "ط".
بعده: "ولو رحمهم كانت رحمتُه خيرًا لهم من أعمالهم" يعني أنَّ رحمته لهم ليست ثمنًا لأعمالهم، ولا تبلغ أعمالهم رحمته، فرحمته لهم ليست١ على قدر أعمالهم، إذ أعمالهم لا تستقلّ باقتضاءِ الرحمة، وحقوق عبوديته وشكره التي يستحقّها عليهم لم يقوموا بها. فلو عذَّبهم -والحالة هذه- لكان تعذيبًا لحقّه، وهو غيرُ ظالم لهم فيه، ولا سيّما فإنَّ أعمالهم لا توازي القليل من نِعَمه عليهم، فتبقى نِعمُه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم، فإذا عذَّبهم على ترك شكرهم وأداءِ حقّه الذي ينبغي له سبحانه، عذّبهم بحقّه٢ ولم يكن ظالمًا لهم.
فإن قيل: فهم إذا فعلوا مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ينبغي له سبحانه مقدورًا لهم، فكيف يحسن العذاب عليه؟
قيل: الجواب من وجهين:
أحدهما: أنَّ المقدور للعبد لا يأتي به كلّه، بل لا بدَّ من فتور وإعراض وغفلة وتوانٍ، وأيضًا ففي نفس قيامه بالعبودية لا يوفّيها حقَّها الواجبَ لها من كمال المراقبة والإجلال والتعظيم والنصيحة التامَّة للَّه فيها، بحيث يبذل مقدوره كلّه في تحسينها وتكميلها ظاهرًا وباطنًا، فالتقصير لازم في حال الترك وفي حال الفعل.
ولهذا لمّا٣ سأل الصدّيقُ النبيَّ ﷺ دعاءً يدعو به في صلاته، قال٤
(١) "ثمنًا لأعمالهم. . ." إلى هنا ساقط من "ك، ط".
(٢) "بحقه" ساقط من "ك، ط". والجملة: "عذَّبهم بحقه" وقعت في "ف" بعد "ترك شكرهم"، وهو خطأ من الناسخ.