فمفهومها نفي العذاب عن المؤمنين، لا إثبات عذاب غير شديد. واللَّه أعلم.
الوجه الثامن: قوله: "وللخواصّ الهيبة، وهي أقصى درجة يشار إليها في غاية الخوف. والخوف يزول بالأمن وينتهي به خوف الشخص على نفسه من العقاب، فإذا أمن العقابَ زال الخوف. والهيبة لا تزول أبدًا لأنَّها مستَحقَّة للربّ بوصف التعظيم والإجلال، وذلك الوصف مستحق على الدوام، وهذه المعارضة والهيبة١ تُعارض المكاشِفَ أوقات المناجاة، وتصونُ٢ المشاهِد أحيانَ المشاهدة وتعصم٣ المعاين٤ بصدمة العزَّة، ومنه٥ قال قائلهم:
أشتاقه، فإذا بداأطرقتُ مِن إجلالِه
لا خِيفَةً، بل هيبةًوصيانةً لجماله
وأصُدُّ عنه تجلُّدًاوأرومُ طيفَ خَيالِه"٦
فيقال: من العجائب أنَّ المعنى الذي أمر اللَّهُ به في كتابه،
(١) في المجالس: "وهذه الهيبة".
(٢) "ط": "تصدم"!
(٣) كذا في الأصل وغيره. وفي المجالس: "تقصم". وفي منازل السائرين الذي اعتمد عليه ابن العريف في كلامهم هذا: "تفصم" بالفاء، وعليه فسّره ابن القيم في مدارج السالكين (١/ ٦١٢).
(٤) "ك، ط": "العاين"، تحريف.
(٥) "المجالس": "فيه".
(٦) محاسن المجالس (٨٤).
وأثنى به على خاصَّة عباده وأقربهم إليه -وهم أنبياؤه ورسلُه وملائكتُه- يُجعل ناقصًا من منازل العوامّ، ويُعمَد إلى معنًى لم يذكره اللَّه ولا رسوله، ولا عُلِّق به المدحُ١ والثناءُ في موضع واحد، فيُجعَل هو الكمال، وهو للخواصّ من العباد! فأين في القرآن والسنَّة ذكرُ الهيبة والأمرُ بها ووصفُ خاصَّته بها؟ ونحن لا ننكر أنَّ الهيبة من لوازم الإيمان وموجباته، ولكنَّ المنكَر أن يكون الوصفُ الذي وصف به أنبياءَه وملائكته ناقصًا، والوصف الذي لم يذكره هو الكامل التامّ!
وهذا المعنى المعبَّر عنه بالهيبة حقٌّ، ولكن لم تجئ العبارة عنه في القرآن والسنَّة بلفظ "الهيبة"، وإنَّما جاءت بلفظ "الإجلال" كقول النبيّ ﷺ: "إن من إجلال اللَّه إجلالَ ذي الشيبة المسلم، وحاملِ القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، والإمام العادل"٢. فالإجلال هو التعظيم، وكذلك الهيبة. يوضح هذا:
الوجه التاسع: وهو أنَّ الهيبة والإجلال يجوز تعلُّقها٣ بالمخلوق، كما قال النبيّ ﷺ: "إنَّ من إجلال اللَّه إجلالَ ذي الشيبة المسلم" الحديث. وقال ابن عباس عن عمر: "هِبْتُه وكان مَهيبًا"٤. وأمَّا الخشية
(١) "ط": "على المدح"، خطأ.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٨٤٣)، والبيهقي في سننه (٨/ ١٦٢)، والمدخل (٦٦٢) وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري. وجاءَ موقوفًا وهو الصواب. أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٨٨ - زوائد المروزي) وابن أبي شيبة (٢١٩١٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٥٧) وغيرهم، وهو مع وقفه فيه أبو كنانة تابعي مجهول. (ز).
(٣) "ط": "تعلّقهما".
(٤) أخرجه البخاري (٤٦٢٩)، ومسلم (١٤٧٩) بلفظ: "مكثت سنة أريد أن أسأل =