الدنيا أمنه يوم القيامة، ومن آمنه في الدنيا ولم يُخِفْه أخافه في الآخرة. وناهيك شرفًا وفضلًا بمقامٍ ثمرتُه الأمنُ الدائمُ المطلَق.
الوجه الثاني عشر: أنَّ الإجلال والمهابة والتعظيم إنَّما لم تزُلْ لأنَّها متعلِّقة بنفس الذات، وهي موجودة في دار النعيم. وأمَّا الخوف فإنَّه إنَّما زال لأنَّه وسيلة إلى توفية العبودية والقيام بالأمر. والوسيلة تزول عند حصول الغاية، ولكنَّ زوالَ الوسيلة عند حصول الغاية لا يدلّ على أنَّها ناقصة. وإذا كانت تلك الغايةُ لا كمال للعبد بدونها، فالوسيلة إليها كذلك.
فيقال: لا ريب أنَّ الحبّ والأنس المجرَّد عن الإجلال والتعظيم٢ يبسط النفس، ويحملها على بعض الدعاوى والرعونات والأماني الباطلة، وإساءَة الأدب، والجناية على حقّ المحبَّة. فإذا قارن المحبَّةَ مهابةُ المحبوب، وإجلالُه وتعظيمُه، وشهودُ عزِّ جلاله وعظيمِ سلطانه = انكسرت نفسُه له، وذلَّت لعظمته، واستكانت لعزَّته، وتصاغرت لجلاله، وصَفَتْ من رعونات النفس وحماقاتها، ودعاويها الباطلة، وأمانيها الكاذبة.
ولهذا في الحديث: "يقول اللَّه ﷿: أين المتحابُّون بجلالي؟
(١) "ط": "المعاني"، تحريف.
(٢) "ط": "التعظيم والإجلال".
اليوم أظِلُّهم في ظلِّي يومَ لا ظلِّ إلا ظلِّي"١. فقال: "أين المتحابُّون بجلالي"، فهو حبّ بجلاله سبحانه وتعظيمه ومهابته، ليس حبًّا لمجرَّد جماله، فإنَّه سبحانه الجليل الجميل. والحبّ الناشئ عن شهود هذين الوصفين هو الحبّ النافع الموجِب لكونهم في ظلّ عرشه يوم القيامة. فشهود الجلال وحده يُوجِبُ خوفًا وخشية وانكسارًا، وشهودُ الجمال وحده يُوجِب حبًّا بانبسَاط وإدلال ورعونة. وشهود الوصفين معًا يوجب حبًّا مقرونًا٢ بتعظيم وإجلال ومهابة، وهذا هو غاية كمال العبد. واللَّه أعلم.
وإنشاده هذه الأبيات الثلاثة في هذا المقام في غاية القبح، فإنَّ هذا المحِبِّ نَفَى٣ خوفَه من محبوبه، وأخبر أنَّه يصدّ عن محبوبه٤ ويُعرض عنه إظهارًا للتجلّد إمَّا على محبوبه٥، وذلك قبيح في حكم المحبّة، فإنَّ التذلّل للمحبوب وتملّقه واستعطافه والانكسار له أولى بالمحبّ من تجلّده وتعزّزه، كما قيل:
اخْضَعْ وذِلَّ لمن تُحِبُّ فليس فيشَرعِ الهوى أنفٌ يُشالُ ويُعقدُ٦
(١) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة (٢٥٦٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) في الأصل: "مقرون". وهو سهو.
(٣) "ط": "ينفي".
(٤) "وأخبر أنَّه. . ." إلى هنا ساقط من "ط".
(٥) "ط": "للتجلّد أمام رقيبه"، وهو غلط، فإنّ الكلام الآتي في التجلّد على المحبوب. أما التجلّد على الرقيب فسيذكره بعد قليل.
(٦) أنشده المصنف في مدارج السالكين (١/ ٢٨١)، وروضة المحبين (٢٩٠)، والبيت في بدائع البدائه (١٧).