بالأبصار، فيشترك الواصفون لها في الصفة. وهي في نفسها متفاوتة أعظمَ تفاوت، ما١ بين العلاقة التي هي تعلّق القلب بالمحبوب، والخُلّة التي هي أعلى مراتب الحبّ؛ وبينهما درجات متفاوتة تفاوتًا لا ينحصر. ولها آثار تُوجِبها، وعلاماتٌ تدل عليها، فكلٌّ أدرك بعض آثارها أو٢ بعض علاماتَها، فعبّر بحسب ما أدركه. وهي وراءَ ذلك كلّه: ليس اسمها كمسمَّاها، ولا لفظها مبينٌ لمعناها.
وكذلك اسم المصيبة والبليّة والشدَّة والألم إنَّما تدلّ أسماؤها عليها نوعَ دلالةٍ لا تكشف حقيقتها، ولا تُعلم حقيقتُها إلا بذوقها ووجودها. وفرق بين الذوق والوجود، وبين التصوّر والعلم. فالحدود والرسوم التي قيلت في المحبّة صحيحة غيرُ وافية بحقيقتها، بل هي إشارات وعلامات وتنبيهات.
فصل [حدّ للمحبَّة والكلام عليه]
قال: "وهي -على الإجمال قبل أن ننتهي إلى التفصيل- وجودُ تعظيمٍ في القلب يمنع الانقيادَ لغير محبوبه"٣.
فيقال: التعظيم٤ المانع من الانقياد لغير المحبوب هو أثر من آثار
(١) "ط": "كما"، تحريف.
(٢) "آثارها أو بعض" ساقط من "ط". وكذا من "ك"، ثم استدركه بعضهم في الحاشية.
(٣) محاسن المجالس (٩٠ - ٩١).
(٤) "ب، ك، ط": "هذا التعظيم"، والمثبت من "ف". وكأنّ كلمة "هذا" في الأصل مضروب عليها.
المحبّة وموجَب من موجَباتها، لا أنَّه نفس المحبّة، فإنَّ المحبّة إذا كانت صادقة أوجبَتْ للمحِبّ تعظيمًا لمحبوبه يمنعه من انقياده إلى غيره. وليس مجرَّد التعظيم هو المانع له من الانقياد إلى غيره، بل التعظيم المقارن للحبّ هو الذي يمنع من الانقياد إلى غير المحبوب. فإنّ التعظيم إذا كان مجرَّدًا عن الحبّ لم يمنع انقياد القلب إلى غير المعظّم. وكذلك إذا كان الحبّ خاليًا عن التعظيم لم يمنع المحِبَّ أن ينقاد إلى غير محبوبه. فإذا اقترن الحبّ بالتعظيم، وامتلأ القلب بهما، امتنع انقياده إلى غير المحبوب.
والمحبّة المشتركة ثلاثة أنواع:
أحدها: محبّة طبيعية مشتركة، كمحبّة الجائع للطعام، والظمآن للماءِ، وغير ذلك. وهذه لا تستلزم التعظيم.
والنوع الثاني: محبّةُ رحمةٍ وإشفاقٍ، كمحبّة الوالد لولده الطفل، ونحوها. وهذه أيضًا لا تستلزم التعظيم.
والنوع الثالث: محبّة أنسٍ وإلفٍ، وهي محبّة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم١ بعضًا، وكمحبّة الإخوة بعضهم بعضًا.
فهذه الأنواع الثلاثة هي المحبّة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركًا في محبَّة اللَّه. ولهذا كان رسول اللَّه ﷺ