يحبّ الحلواءَ والعسل١، وكان أحبّ الشراب إليه الحلو البارد٢، وكان أحبّ اللحم إليه الذراع٣. وكان يحبّ نساءَه، وكانت عائشة ﵂ أحبَّهنَّ إليه٤. وكان يحبّ أصحابه، وأحبُّهم إليه الصدِّيق٥﵁.
وأمَّا المحبَّة الخاصَّة التي لا تصلح إلا للَّه وحده، ومتى أحبّ العبدُ بها غيرَه كان شركًا لا يغفره اللَّه، فهي محبّة العبودية المستلزمة للذلّ والخضوع، والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره. فهذه المحبّة لا يجوز تعلقها بغير اللَّه أصلًا، وهي التي سوّى المشركون بين آلهتهم وبين اللَّه فيها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾[البقرة/ ١٦٥]. وأصحّ القولين أنَّ المعنى: يحبّونهم كما يحبّون اللَّه، فيسوّون٦ بين اللَّه وبين أندادهم
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأطعمة (٥٤٣١) وغيره من حديث عائشة ﵂.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤١٠٠، ٢٤١٢٩)، والترمذي (١٨٩٥)، والنسائي في الكبرى (٦٨٤٤) من حديث عائشة مرفوعًا. وأخرجه الترمذي (١٨٩٦) من حديث الزهري مرسلًا وقال: "والصحيح ما روي عن الزهرى عن النبيّ ﷺ مرسلًا". (ز).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير (٤٧١٢) وغيره، ومسلم في كتاب الإيمان (١٩٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) نصه في صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبيّ ﷺ (٦٣٦٢)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة (٢٣٨٤) من حديث عمرو بن العاص ﵁.
(٥) يشهد له حديث الصحيحين المشار إليه آنفًا.
(٦) قراءة "ف": "ويسؤون"، وهي محتملة. وفي "ب، ك، ط": "وسوّوا".
في الحبّ. ثمَّ نفى ذلك عن المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾[البقرة/ ١٦٥]، فإنَّ الذين آمنوا أخلصوا حبّهم للَّه لم يشركوا به معه غيره، وأمَّا المشركون فلم يخلصوه للَّه.
والمقصود من الخلق والأمر إنَّما هو هذه المحبّة، وهي أوَّل دعوة الرسل. وآخرُ كلام العبد المؤمن الذي إذا مات عليه دخل الجنَّة اعترافُه وإقرارُه بهذه المحبّة، وإفرادُ الربّ تعالى بها. فهو أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا١ إلى اللَّه. وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها، وأسبابٌ لتحصيلها وتكميلها وتحصينها٢ من الشوائب والعلل. فهي قطب رحى السعادة، وروح الإيمان، وساق شجرة الإسلام. ولأجلها أنزل اللَّه الكتاب والحديد: فالكتاب هادٍ إليها، ودالّ عليها، ومفصِّل لها. والحديد لمن خرج عنها، وأشرك فيها مع اللَّه غيره. ولأجلها خلقت الجنة والنار: فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها للَّه وحده، فأخلصهم لها؛ والنار دار من أشرك فيها مع اللَّه غيره، وسوَّى بينه وبين اللَّه فيها، كما أخبر تعالى عن أهلها أنَّهم يقولون في النار لآلهتهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ٩٨﴾[الشعراء/ ٩٧ - ٩٨].
وهذه التسوية لم تكن منهم في الأفعال والصفات بحيث اعتقدوا أنَّها مساوية للَّه في أفعاله وصفاته، وإنَّما كانت تسويةً منهم بين اللَّه وبينها في المحبّة والعبودية فقط٣، مع إقرارهم بالفرق بين اللَّه وبينها، فتصحيح