وأكرِمْنا ولا تُهِنَّا، وآثِرْنا ولا تُؤثر علينا، وأرضِنا وارضَ عنَّا"١.
وقيل: من آثر اللَّه على غيره آثره اللَّه على غيره.
والفرق بين الإيثار والأثرة أنَّ "الإيثار" تخصيص الغير بما تريده لنفسك. و"الأثرة" اختصاصك به على الغير. وفي الحديث: "بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة في عُسْرنا ويُسْرنا، ومَنشَطنا ومَكْرَهِنا، وأثَرةٍ علينا"٢.
إذا٣ عرف هذا، فالإيثار إمَّا أن يتعلَّق بالخلق، وإمَّا أن يتعلّق بالخالق. فإن٤ تعلّق بالخلق، فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيع عليك وقتًا، ولا يفسد عليك حالًا، ولا يهضِم لك دينًا، ولا يسدّ عليك طريقًا، ولا يمنع لك واردًا. فإن كان في إيثارهم شيء من ذلك، فإيثارُ نفسك عليهم أولى، فإن الرجلَ مَن لا يؤثر بنصيبه من اللَّه أحدًا كائنًا من كان.
وهذا في غاية الصعوبة على السالك، والأول أسهل منه. فإنَّ الإيثار المحمود الذي أثنى اللَّه على فاعله الإيثار بالدنيا، لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب. قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
(١) أخرجه الترمذي (٣١٧٣) و(٣١٧٣)، والنسائي في الكبرى (١٣٤٨) من حديث عمر بن الخطاب ﵁. قلت: فيه يونس بن سليم: مجهول، فالإسناد ضعيف. (ز).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الفتن (٧٠٥٦) ومسلم في الإمارة (١٧٠٩) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.
(٣) "ط": "فإذا".
(٤) "ط": "وإن".
بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر/ ٩]. فأخبر تعالى أنَّ إيثارهم إنَّما هو بالشيء الذي إذا وُقِي الرجلُ الشحَّ به كان من المفلحين. وهذا إنَّما هو فضول الدنيا١، لا الأوقات المصروفة في الطاعات؛ فإنَّ الفلاح كلّ الفلاح في الشحّ بها، فمن لم يكن شحيحًا بوقته تركه الناس على الأرض عريانا٢ مفلسًا؛ فالشح بالوقت هو عمارة القلب وحفظ رأس ماله.
وممَّا يدلُّ على هذا أنَّه سبحانه أمر بالمسابقة في أعمال البرّ، والتنافس فيها، والمبادرة إليها؛ وهذا ضدّ الإيثار بها. قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾[آل عمران/ ١٣٣] وقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾[البقرة/ ١٤٨] وقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ٢٦﴾[المطففين/ ٢٦]. وقال النبيّ ﷺ: "لو يعلمُ الناسُ ما في النداء والصفّ الأوَّل لكانت قُرْعةً"٣. والقرعة إنَّما تكون عند التزاحم والتنافس، لا عند الإيثار. فلم يجعل الشارع الطاعات والقربات محلًّا للإيثار، بل محلًّا للتنافس والمسابقة، ولهذا قال الفقهاء: "لا يستحبّ الإيثار بالقربات".
(١) "ف": "من فضول الدنيا"، خلاف الأصل. وفي حاشية "ب": "لعله: في" يعني: "في فضول. . .".
(٢) "ك، ط": "عِيانًا".
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٣٩) عن أبي هريرة ﵁. وليس فيه ذكر النداء ولفظه: "لو تعلمون -أو يعلمون- ما في الصفّ المقدم لكانت قرعة". والنداء في حديثه الآخر الذي أخرجه البخاري في الأذان (٦١٥) وغيره ومسلم في الصلاة (٤٣٧) ولفظه: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلّا أن يستهموا عليه لاستهموا".