طريق الهجرتين

صلاح١ العبد وسعادته إلا به، وإنَّه ليسيرٌ على من يسّره اللَّه عليه. فحقيق بالعبد أن يتسنّم٢ إليه وإن صعب المرتقى، وأن يشمّر إليه وإن عظمت فيه المحنة٣، ويحتمل٤ فيه خطرًا يسيرًا لملك عظيم وفوز كبير؛ فإنَّ ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال، واليسير٥ منه يُرقّي العبد ويسيِّره ما لا٦ يرقى غيره إليه في المدد المتطاولة. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء٧.

ولا تتحقَّق المحبَّة إلا بهذا الإيثار. والذي يسهّله على العبد أمور: أحدها: أن تكون طبيعته ليّنة منقادة سلسة، ليست بجافية ولا قاسية، بل تنقاد معه بسهولة. الثاني: أن يكون إيمانه راسخًا ويقينه قويّا، فإنَّ هذا ثمرة الإيمان ونتيجته. الثالث: قوة صبره وثباته. فبهذه الأمور٨ الثلاثة ينهض إلى هذا المقام، ويسهل عليه دركه.

والنقص والتخلّف في النفس عن هذا يكون من أمرين: أن تكون جامدةً غير سريعة الإدراك، بل بطيئة. فلا يكاد يرى٩ حقيقة الشيء إلا بعد عسر، وإن رآها١٠ اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات

  1. (١) "ك، ط": "فلاح".
  2. (٢) "ط": "يسمو".
  3. (٣) "ب": "المحنة فيه".
  4. (٤) "ك، ط": "يحمل"، تحريف.
  5. (٥) "ك، ط": "ويسير".
  6. (٦) "ب": "إلى ما".
  7. (٧) زاد في "ف": "واللَّه ذو الفضل العظيم".
  8. (٨) "ك، ط": "الثلاثة الأمور".
  9. (٩) "ب، ك، ط": "ولا تكاد ترى".
  10. (١٠) "ط": "رأتها".
654

والاحتمالات، فلا يتخلّص له رؤيتها وعيانها.

الثاني: أن تكون القريحة وفَّادة درَّاكة، لكن النفس ضعيفة مهينة، إذا أبصرت الحقّ والرشد ضعفت عن إيثاره. فصاحبها يسوقها سوق العليل المريض، كلَّما ساقه خطوة وقف خطوة؛ أو كسَوق الطفل الصغير الذي قد١ تعلَّقت نفسه بشهواته ومألوفاته، فهو يسوقه إلى رشده، وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه لا ينساق معه إلا كرهًا. فإذا رُزِق العبد قريحةً وفَّادةً، وطبيعةً منقادةً: إذا زجرها انزجرت، وإذا قادها انقادت بسهولة وسرعة ولين؛ وأُيِّدَ٢ مع ذلك بعلم نافع وإيمان راسخ، أقبلت إليه وفود السعادة من كلِّ جانب.

ولمَّا كانت هذه القرائح والطبائع ثابتةً للصحابة ﵃، وكمَّلها اللَّه لهم بنور الإسلام وقوَّة اليقين ومباشرة الإيمان. لقلوبهم، كانوا أفضل العالمين بعد الأنبياء والمرسلين. وكان مَن بعدهم لو أنفق مثل جبل أحد ذهبًا٣ ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه٤.

ومن تصوَّر هذا الموضع حقّ تصوره علِمَ من أين يلزمه النقص والتأخّر، ومن أين يتقدم ويترقّى في درجات السعادة. وباللَّه التوفيق٥.

  1. (١) "قد" ساقط من "ك، ط".
  2. (٢) "ط": "وارتدى".
  3. (٣) "ذهبًا" ساقط من "ك، ط".
  4. (٤) يشهد له ما أخرجه البخاري (٣٦٧٣) ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
  5. (٥) زاد في "ك، ط": "واللَّه أعلم".
655

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي