طريق الهجرتين

فصل [حدّ آخر]

قال١: "وقيل: المحبة: القيام بين يديه وأنت قاعد، ومفارقةُ المضجع وأنت راقد، والسكوت وأنت ناطق، ومفارقة المألوف والوطن وأنت مستوطن".

فيقال: وهذا أيضًا أثر من آثار المحبة، وموجَب من موجباتها، وحكم من أحكامها. وهو صحيح، فإنَّ المحبة تُوجِبُ سفرَ القلب نحو المحبوب دائمًا. والمحِبُّ في وطنه قاطن٢، وتوجب مثولَه وقيامَه بين يدي محبوبه وهو قاعد، وتجافيَه عن مضجعه ومَفارقتَه إيَّاه وهو فيه راقد، وفراغَه لمحبوبه بكلّه٣ وهو مشغول في الظاهر٤ بغيره. كما قال بعضهم:

وأُدِيمُ نحوَ محدِّثي لِيرَىأن قد عقلتُ وعندكم عقلي٥

وقال بعض المريدين لشيخه: أيسجد القلب بين يدي اللَّه؟ فقال: نعم، سجدةً لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة!٦ فهذه سجدة متّصلة بقيامه وقعوده وذهابه ومجيئه وحركته وسكونه. وكذلك يكون جسده في

  1. (١) محاسن المجالس (٩١).
  2. (٢) "قاطن" ساقط من "ك". وفي "ط": "والمحبة وطنه"!
  3. (٣) "ب، ك، ط": "كله".
  4. (٤) "ف": "الطاعة"، تحريف.
  5. (٥) لمجنون ليلى في ديوانه (١٨٢). وقد أنشده المصنف في روضة المحبين (٣٩٠) أيضًا.
  6. (٦) من كلام سهل التستري. وقد تقدّم في ص (٤٥١).
662

مضجعه، وقلبُه قد قطع المراحل مسافرًا إلى حبيبه. فإذا أخذ مضجعه اجتمع عليه حبُّه وشوقه، فيهزه المضجعُ إلى سَكَنِه. كما قال اللَّه تعالى في حقِّ المحبين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة/ ١٦]. فلمَّا تجافت قلوبهم١ عن المضاجع جافت الجُنوبَ عنها واستخدمتها، وأمرتها فأطاعتها. وقال القائل:

نهاري نهارُ الناس، حتَّى إذا بداليَ الليلُ هزَّتْني إليكِ المضاجعُ٢

ويحكى أنَّ بعض الصالحين اجتاز بمسجد، فرأى الشيطانَ واقفًا ببابه لا يستطيع دخوله. فنظر فهذا فيه رجل نائم، وآخر قائم يصلي. فقال له: أيمنعك هذا المصلي من دخوله؟ فقال: كلا، إنَّما يمنعني ذلك الأسد الرابض، ولولا مكانه لدخلتُ!

وبالجملة فقلبُ المحبّ دائمًا في سفر لا ينقضي نحو محبوبه، كلَّما قطع مرحلة٣ ومنزلة تبدَّتْ له أخرى، كما قيل:

إذَا قطعنَ عَلَمًا يدا عَلَمْ٤

فهو مسافر بين أهله٥، وظاعن وهو في داره، وغريب

  1. (١) "ط": "جنوبهم"، خطأ.
  2. (٢) البيت لابن الدمينة، وقد دخل مع بيتين آخرين في عينية قيس بن ذريح. قاله صاحب الأغاني (٩/ ٢١٠)، وانظر: ديوان ابن الدمينة (١٧)، وقيس ولبنى (١٠٧).
  3. (٣) "ك، ط": "مرحلة له".
  4. (٤) "ب": "قطعنا"، "ط": "قطعت"، تحريف. والبيت من أرجوزة لجرير في ديوانه (٥١٢). "قطعنَ": يعني النوق.
  5. (٥) "ب": "وهو بين أهله".
663

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي