طريق الهجرتين

الأغيار ومواصلة الخلق والاشتغال بهم، فإذا قام إلى الصلاة هرب من سوى اللَّه إليه، وأوى عنده، واطمأنَّ بذكره، وقرَّت عينُه بالمثول بين يديه ومناجاته. فلا شيء أهم إليه١ من الصلاة، كأنَّه في سجن وضيق وغمّ حتَّى تحضر الصلاة، فيجد قلبه قد انفسح وانشرح واستراح، كما قال النبي ﷺ لبلال: "يا بلال، أرِحْنا بالصلاة"٢ ولم يقل: أَرِحْنا منها، كما يقول المبطلون الغافلون.

وقال بعض السلف: ليس بمستكمل الإيمان من لم يزل في همّ وغمّ حتى تحضر الصلاة، فيزول همّه وغمّه٣، أو كما قال. فالصلاة قرَّة عيون المحبين، وسرور أرواحهم، ولذَّة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون همّ الفراغ منها إذا دخلوا فيها، كما يحمل الفارغ البطَّال همّها حتَّى يقضيها بسرعة، فلهم فيها شأن وللنقَّارين شأن! يشكون إلى اللَّه سوءَ صنيعهم بهم٤ إذا ائتمّوا بهم، كما يشكو الغافل المعرض تطويلَ إمامه. فسبحانه من فاضَلَ بين النفوس، وفاوتَ بينها هذا التفاوت العظيم!

وبالجملة فمن كانت٥ قرَّة عينه في الصلاة فلا شيء أحبّ إليه وأنعم٦ عنده منها، وبودّه٧ أن لو قطع عمرَه بها غيرَ مشتغل بغيرها،

  1. (١) كذا قال: "أهمّ إليه" مثل "أحب إليه".
  2. (٢) سبق تخريجه في ص (٨١).
  3. (٣) كذا وردت العبارة في الأصل وغيره. وأراها تدلّ على ضدّ المقصود، فلينظر.
  4. (٤) "ط": "بها".
  5. (٥) "ط": "كان".
  6. (٦) "ب، ك، ط": "ولا أنعم".
  7. (٧) "ك، ط": "ويود".
666

وإنَّما يسلّي نفسه إذا فارقها بأنّه سيعود إليها عن قرب. فهو دائمًا يثوب إليها، ولا يقضي منها وطرًا. فلا يزنُ العبد إيمانه ومحبّته للَّه بمثل ميزان الصلاة، فإنّها الميزان العادل، الذي وزنه غير عائل.

الموطن الرابع: عند الشدائد والأهوال. فإن القلب في هذا الموطن لا يذكر إلّا أحبّ الأشياءِ إليه، ولا يهرب إلّا إلى محبوبه الأعظم عنده. ولهذا كانوا يفتخرون بذكرهم من يحبّونهم١ عند الحرب واللقاء، وهو كثير في أشعارهم، كما قال٢:

ذكرتُكِ والخطّيُّ يخطِر بينناوقد نهِلَتْ منَّا المثقَّفةُ السُّمْرُ٣

وقال غيره:

ولقد ذكرتُكِ والرماحُ كأنَّهاأشطانُ بئرٍ في لَبان الأدهَمِ٤
  1. (١) "ب": "يحبونه".
  2. (٢) "ب": "قال القائل".
  3. (٣) لابن عطاء السندي. انظر: الحماسة (١/ ٦٦). وقد ذكره المصنف في مدارج السالكين (٢/ ٤٧٩)، وروضة المحبّين (٣٨٦). وفي "ط": "متي".
  4. (٤) كذا ورد البيت هنا، وفي روضة المحبين (٣٨٦)، ومدارج السالكين (٢/ ٤٧٩)، ونسبه فيه إلى عنترة. وروايته في الديوان وشروح المعلّقات:
    يدعون عنترَ والرماح كأنّها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
    وقد ذكر المصنف في الروضة بيتًا آخر بعده:
    فودِدتُ تقبيلَ السيوف لأنّها ... برقت كبارقِ ثغرِك المتبسّمِ
    والبيت الذي ذكر قبل هذا البيت في ديوان الصبابة (٢٢١) وغيره منسوبَين إلى عنترة:
    ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيضُ الهند تقطر من دمي
    وهذا الصواب، وذكرُ بيض الهند في آخر هذا البيت هو الذي حسّن قوله =
667

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي