طريق الهجرتين

وقد جاء في بعض الآثار١: "يقول ﵎: إنَّ عبدي كل عبدي الذي يذكرُني وهو ملاقٍ قِرنَه"٢.

والسرّ في هذا -واللَّه أعلم- أنْ عند معاينة الشدائد٣ والأهوال يشتدّ خوف القلب من ذوات أحبّ الأشياء إليه، وهي حياته التي لم يكن يؤثرها إلا لقربه من محبوبه، فهو إنَّما يحبّ حياته لتنغمه بمحبوبه، فإذا خاف فوتها بدر إلى قلبه ذكرُ المحبوب الذي يفوت بفوات حياته. ولهذا -واللَّه أعلم- كثيرًا ما يعرض للعبد عند موته لهَجُه بما يحبّه وكثرةُ ذكره له، وربما خرجت روحه، وهو يلهج به.

  1. = "فوددت تقبيل السيوف" في البيت التالي. وأنشد المؤلف بيتًا آخر في المدارج يشبه هذا البيت:
    ولقد ذكرتك والرماح شواجر ... نحوي وبيض الهند تقطر من دمي
    هذا والبيتان المذكوران في ديوان الصبابة وغيره لم يروهما الثقات، ولم يردا في الديوان وشروح المعلقات. ولا يشبه البيت الثاني شعر الجاهليين. وفات محقق الديوان إثباتهما في ذيل الديوان.
  2. (١) أخرجه الترمذي (٣٥٨٠)، وأبو نعيم في المعرفة (٥٢٣٨). قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي، ولا نعرف لعمارة بن زعكرة عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث الواحد. ومعنى قوله: "وهو ملاق قرنه" إنَّما يعني عند القتال يعني أن يذكر اللَّه في تلك الساعة". وقال البخاري في تاريخه (٦/ ٤٥٤): "عمارة بن زعكرة له صحبة، لم يصح حديثه". وقال ابن حجر في الإصابة (٤/ ٢٧٦): "قلت: فيه عفير بن معدان، وهو ضعيف. . . ". (ز).
  3. (٢) ذكره المصنف في مدارج السالكين (٢/ ٤٧٨) وقال: "سمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ يستشهد به، وسمعته يقول: المحبّون يفتخرون بذكر من يحبونه في هذه الحال".
  4. (٣) "ك، ط": "مصائب الشدائد"، تحريف.
668

وقد١ ذكر ابن أبي الدنيا في "كتاب المحتضرين"٢ عن زُفَر ﵀٣ أنَّه جعل يقول عند موته: "لها ثلاثة أخماس الصداق، لها ربع الصداق، لها كذا. . . " حتَّى٤ مات؛ لامتلاءِ قلبه ﵀ من محبّة٥ الفقه والعلم.

وأيضًا فإنه عند الموت تنقطع شواغله، وتتعطَّل٦ حواسّه، فيظهر ما في القلب، ويقوى سلطانه، فيبدر ما فيه من غير حاجب ولا مدافع. وكثيرًا ما سُمِعَ من بعض المحتضرين عند الموت: "شاه مات"٧. وسُمِعَ من آخر بيتُ شعر لم يزل يغنِّي به، حتَّى مات، وكان مغنِّيًا. وأخبرني رجل عن قرابة له أنه حضره عند الموت -وكان تاجرًا يبيع القماش- قال فجعل يقول: "هذه قطعة جيدة، هذه على قدرك، هذه مشتراها رخيص تساوي كذا وكذا. . . " حتى مات. والحكايات٨ في هذا كثيرة جدًا.

فمن كان مشغولًا باللَّه وبذكره ومحبته في حال٩ حياته وجد ذلك

  1. (١) "قد" ساقط من "ك، ط".
  2. (٢) ص (١٧٨) مع اختلاف يسير في اللفظ.
  3. (٣) زفر بن الهذيل العنبري (١١٠ - ١٥٨ هـ) من تلامذة أبي حنيفة. قال الذهبي: "من بحور الفقه وأذكياء الوقت. . . وكان ممن جمع بين العلم والعمل، وكان يدري الحديث ويتقنه". سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٩).
  4. (٤) "حتى" ساقط من "ط".
  5. (٥) "محبة" ساقط من "ف".
  6. (٦) "ك، ط": "تبطل".
  7. (٧) انظر: محاضرات الأدباء (٢/ ٥٠٢). و"شاه" من أحجار الشطرنج.
  8. (٨) "ط": "الحكاية"، خطأ.
  9. (٩) "ف": "كلّ"، تحريف.
669

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي