طريق الهجرتين

قلتُ: كلّ معنى فله صيغة يعبّر به١ عنه، ولا سيما إذا كان٢ من المعاني المعروفة للخاصّ والعامّ. ولكن العبارة قد تكون كاشفةً للمعنى مطابقةً له، كلفظ الدراهم والخبر والماء واللبن ونحوها، وهي أكثر الألفاظ. وقد يكون المعنى فوق ما يشير إليه اللفظ ويعبّر عنه، وهو أجلّ من أن يدلّ لفظه على كمال ماهيته. وهذا كأسماءِ الربِّ تعالى وأسماءِ كتابه. وكذلك اسم الحبّ، فإنَّه لا يكشف اسمه مسماه، بل مسمَّاه فوق لفظه، وكذلك اسم الشوق والعشق والموت والبلاء ونحوها. وقد يكون المعنى دون اللفظ بكثير، واللفظ أجل منه وأعظم. وهذا كلفظ "الجوهر الفرد" الذي هو عبارة عن أقلّ شيءٍ وأصغره وأدقّه وأحقره، فليس معناه على قدر لفظه. وإذا عرف هذا فقولهم: "ليس للمحبة صيغة يعبّر بها عن حقيقتها" المراد به أنَّ لفظها لا يُفهِم حقيقةَ معناها، ومعناها فوق ما يفهم من لفظها.

وقوله: "الغيرة من أوصاف المحبة، وهي تأبى إلَّا التستر والاختفاء". هذا كلام في حكم المحبة ومقتضاها، لا في حقيقتها ومعناها. والمحبّون متباينون في هذا الحكم، فمنهم من يجعل الغيرة من لوازمِ المحبّة وعلامة ثبوتها وتمكّنها، ويجعل نداءَ المرءِ عليها وبسط لسانه بالإخبار بها دليلًا على أنَّه دعي فيها، وأن ما معه منها رائحتها لا حقيقتها، وحقيقتها تأبى إلا التستّر والكتمان. وهذه طريقة الملامتية٣، كما قيل:

  1. (١) كذا في الأصل وغيره. ولعلّ المؤلف ذكّر الضمير لأنّ المقصود هو اللفظ. وفي "ك، ط": "تعتر به"، وهو خطأ.
  2. (٢) "ك، ط": "كانت"، خطأ.
  3. (٣) "ط": "الملاميين"!
676
لا تُنكري جحدي هواك، فإنَّماذاك الجحودُ عليه سِتْرٌ مسبَلُ

ولهذا قيل: "المحبة: كتمان١ الإرادة، وإظهار الموافقة". وهذه الطائفة رأت أنَّ كمال المحبة بكتمانها لأسباب عديدة:

أحدها: أنَّ الحبّ كلَّما كان مكتومًا كان أشدَّ وأعظم سريانًا وسكونًا في أجزاء القلب كلها، كما قيل: "الحبّ أقتَلُه أكتَمُه". فإذا أفشاه المحبّ، وأظهره، وباح به، ونادى عليه؛ ضعف أثره، وصار عرضةً للزوال.

الثاني: أنَّ الحبَّ كنز من الكنوز، بل هو أعظم الكنوز المودعة في سرّ العبد وقلبه، فلا طريق للصوص إليه. فإذا باح به ونادى عليه فقد دلَّ قطَّاع الطريق واللصوص على موضع كنزه، وعرَّضهم٢ لسلبه منه. فإنَّ النفوس غيَّارة مغيرة، تغار على المحبوب أن يشاركها في حبه أحد، فإذا غارت عليه أغارت على القلوب التي فيها حبُّه، فانتزعته منه.

وهذه الآفة قد ابتلي بها كثير من السالكين الذين هم في الحقيقة قطَاع الطريق على السالكين إلى اللَّه. وسولت لهم أنفسهم أنَّ هذه غيرةٌ منهم على محبوبهم أن يحبّه٣ مثل هذه النفوس المتلوثة بالدنيا، وغرَّتهم أنفسُهم ومنَّتْهم أنَّهم يغارون على اللَّه، ويحولون بين تلك النفوس وبين محبّته٤، فغاروا، وأغاروا، ونهبوا، واستلبوا.

  1. (١) "ف": "كمال"، تحريف.
  2. (٢) كذا في الأصل وغيره. وفي "ط": "عرضه".
  3. (٣) "ك، ط": "أن يحب".
  4. (٤) "ك، ط": "المحبة".
677

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي