يا من شكا شوقه من طول فرقتهاصبِرْ لعلَّك تلقى من تحبُّ غدا٢
وقال الشبلي: "المحبّ إذا سكت هلك، والعارف إن لم يسكت هلك"٣. والتحقيق: أنَّ هذا هو حال المتمكِّن في حبُّه، الذي:
تزول الجبالُ الراسياتُ، وقلبُهعلى الودّ لا يُلوي ولا يتغيَّرُ٤
والأوَّل حال المزيد المبتدئ الذي قد علِقت نارُ المحبة في قلبه، ولم يتمكّن اشتعالها، فهو يخاف عليها عواصفَ الرياح أن تطفئها، فهو يخبئها ويكتمها ويسترها من الرياح جهدَه، فإذا اشتعلت وتمكن وقودها في القلب لم تزدها كثرةُ الرياح إلا وقودًا واشتعالًا. فهذا يختلف باختلاف الناس وتفاوتهم في قوَّة المحبة وضعفها.
والمقصود أنَّ من بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرّها وأحكامها لن يؤمَن أن يكون من أهل العلم بالمحبة لا من المتّصفين بها حالًا، فكم بين العلم بالشيء والاتّصاف به ذوقًا وحالًا! فعلم المحبة شيء، ووجودها في القلب شيء. وكثير من المحبين الذين
(١) زاد في "ط" بين حاصرتين: "الثقفي". وهو محمد بن عبد الوهاب الثقفي النيسابوري الشافعي، المحدث الفقيه العلّامة، شيخ خراسان. وهو من ولد الحجّاج، توفي سنة ٣٢٨ هـ. سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٨٠)، طبقات الصوفية (٣٦١).
(٢) الحكاية في القشيرية (٣٣٠). والبيت أنشده المؤلف في مدارج السالكين (٣/ ١٨)، ومع بيت آخر في روضة المحبين (٥٨١).
(٣) القشيرية (٣٢٤).
(٤) في النسخ الخطية -ما عدا الأصل- والمطبوعة أثبت هذا البيت نثرًا. وقد أنشده المؤلف في بدائع الفوائد (٥٢٧) أيضًا.
امتلأت١ قلوبهم محبةً لو سئل عن حدّها وأحكامها وحقيقتها لم يُطِق أن يعبر عنها، ولا يتهيّأ له أن يصفها ويصف أحكامها، وأكثر المتكلِّمين فيها إنَّما تكلموا فيها بلسان العلم لا بلسان الحال. وهذا -واللَّه أعلم- هو معنى قول بعض المشايخ٢: "أعظمُ الناس حجابًا عن اللَّه أكثرُهم إليه إشارة"، فإنه إنَّما حظّه منه الإشارة إليه لا عكوف٣ القلب عليه، كالفقير الذي دأبه وصف الأغنياء وأموالهم، ووصف الدنيا وممالكها، وهو خِلْو من ذلك.
ولا ريب أنَّ وجودَ الحبّ في القلب وتركَ الكلام فيه٤ علمًا خير من كثرة الكلام في هذه المسألة وخلوّ القلب منها. وخير من الرجلين من امتلأ قلبه منها حالًا وذوقًا، وفاضت على لسانه إرشادًا وتعليمًا ونصيحةً للأمة. فهذا حال الكُمَّل٥ من الناس. واللَّه المسؤول من فضله وكرمه.
قوله: "المحبة لا تظهر على المحبّ بلفظه، وإنَّما تظهر عليه بشمائله ونحوله". هذا حقّ، فإنَّ دلالة الحال على المحبة أعظم من دلالة القال عليها، بل الدلالة عليها في الحقيقة هو شاهد الحال لا صريح المقال. ففرق بين من يقول لك بلسانه: إنِّي أحبك، ولا شاهد عليه من حاله، وبين من هو ساكت لا يتكلَّم، وأنت ترى شواهد أحواله
(١) "قد" ساقط من "ك، ط".
(٢) هو أبو يزيد البسطامي، ونصّ قوله في طبقات الصوفية (٧٤): "أبعد الخلق من اللَّه أكثرهم إشارة إليه". ونحوه في صفة الصفوة (٢/ ٢٦٣).