طريق الهجرتين

امتلأت١ قلوبهم محبةً لو سئل عن حدّها وأحكامها وحقيقتها لم يُطِق أن يعبر عنها، ولا يتهيّأ له أن يصفها ويصف أحكامها، وأكثر المتكلِّمين فيها إنَّما تكلموا فيها بلسان العلم لا بلسان الحال. وهذا -واللَّه أعلم- هو معنى قول بعض المشايخ٢: "أعظمُ الناس حجابًا عن اللَّه أكثرُهم إليه إشارة"، فإنه إنَّما حظّه منه الإشارة إليه لا عكوف٣ القلب عليه، كالفقير الذي دأبه وصف الأغنياء وأموالهم، ووصف الدنيا وممالكها، وهو خِلْو من ذلك.

ولا ريب أنَّ وجودَ الحبّ في القلب وتركَ الكلام فيه٤ علمًا خير من كثرة الكلام في هذه المسألة وخلوّ القلب منها. وخير من الرجلين من امتلأ قلبه منها حالًا وذوقًا، وفاضت على لسانه إرشادًا وتعليمًا ونصيحةً للأمة. فهذا حال الكُمَّل٥ من الناس. واللَّه المسؤول من فضله وكرمه.

قوله: "المحبة لا تظهر على المحبّ بلفظه، وإنَّما تظهر عليه بشمائله ونحوله". هذا حقّ، فإنَّ دلالة الحال على المحبة أعظم من دلالة القال عليها، بل الدلالة عليها في الحقيقة هو شاهد الحال لا صريح المقال. ففرق بين من يقول لك بلسانه: إنِّي أحبك، ولا شاهد عليه من حاله، وبين من هو ساكت لا يتكلَّم، وأنت ترى شواهد أحواله

  1. (١) "قد" ساقط من "ك، ط".
  2. (٢) هو أبو يزيد البسطامي، ونصّ قوله في طبقات الصوفية (٧٤): "أبعد الخلق من اللَّه أكثرهم إشارة إليه". ونحوه في صفة الصفوة (٢/ ٢٦٣).
  3. (٣) "ط": "علوق"، تحريف.
  4. (٤) "فيه" ساقط من "ك، ط".
  5. (٥) "ط": "الكملة"، وقد مر مثل هذا التحريف من قبل.
682

كلها ناطقة بحبه لك. قال جعفر١: قال الجنيد: دفع السريّ إليَّ رقعةً وقال: هذه خير لك من سبعمائة قصَّة وكذا وكذا. فهذا فيها:

ولمَّا ادعيتُ الحبَّ قالت كذبتَنيفما لي أرى الأعضاءَ منكَ كواسيا
فما الحب حتَّى يلصَق القلبُ بالحشاوتذبُلَ حتَّى لا تجيبَ المناديا
وتنحَلَ حتى لا يُبقّي لك الهوىسوى مقلةٍ تبكي بها وتُناجيا٢

وبالجملة، فشاهد المحبة٣ الذي لا يكذب هو شاهد الحال، وأمَّا شاهد المقال فصادق وكاذب.

قوله: "ولا يفهم حقيقتها من المحبّ سوى المحبوب، لموضع امتزاج٤ الأسرار من القلوب" يعني أنَّ حقيقة المحبة وسرها لا يفهمه من المحبّ إلا محبوبه. وذلك لشدَّة الاتصال الذي بينه وبين محبوبه في الباطن، فروحه أقرب شيء إليه، وأمَّا٥ الغير وإن علم أنه محبّ بظهور أثر المحبة عليه وقيام شاهدها لكن لا يدرك٦ تلك اللطيفة والحقيقة

  1. (١) جعفر بن محمد بن نصير الخُلدي، صحب الجنيد وعرف بصحبته، توفي سنة ٣٤٨ هـ. طبقات الصوفية (٤٣٤).
  2. (٢) في "ط": "وتبخل حتى ليس" خطأ. والحكاية في القشيرية (٣٢٤)، ومصارع العشاق (١/ ١٠٩). وقد ضمن المؤلف الأبيات في قصيدة أوردها في مدارج السالكين (٢/ ٦١٠).
  3. (٣) "ط": "الحب".
  4. (٤) رسم الكلمة في الأصل هنا أقرب إلى "اقتراح"، فإن الراء لم تنقط هنا، وكذا في "ب، ك". ولكن قول المؤلف في تفسيره: "لموضع اتصال سرّه به" يؤيد ما أثبتنا هنا وفي أول الفصل. وفي "ف": "إخراج"، خطأ. وفي "ط": "اقتداح".
  5. (٥) "أما" ساقط من "ط".
  6. (٦) "ف": "لا يدري"، تحريف.
683

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي