التي يدركها المحبوبُ من محبّه، لموضع اتصال سرّه به١، وقرب ما بين الروحين، ولا سيَّما إذا كانت المحبة من الطرفين، فهناك العجب والمناجاة والملاطفة والإشارة والعتاب والشكوى، وهما ساكتان٢ لا يدري جليسهما بعجيب شأنهما٣.
فصل
قال: "وأمَّا محبَّة العوام فهي محبة تنبُت من مطالعة المنَّة، وتثبتُ باتباع السنَّة، وتنمو على الإجابة للغاية٤. وهي محبة تقطع الوسواس، وتُلذّذ الخدمة، وتسلِّي عن المصائب. وهي في طريق العوامّ عمدة الإيمان"٥.
فيقال: لا ريب أنَّ المحبة درجات متفاوتة، بعضها أكمل من بعض، وكلّ درجة خاصَّة بالنسبة إلى ما تحتها، عامَّة بالنسبة إلى ما فوقها، فليس انقسامها إلى خاصّ وعامّ انقسامًا حقيقيًّا متميّزًا٦ بفصل يميّز أحدَ النوعين عن الآخر. وإنَّما تنقسم باعتبار الباعث عليها وسببها، وتنقسم بذلك إلى قسمين:
(١) "به" ساقط من "ط".
(٢) كذا في "ب، ك". وفي "ط": "ساكنان"، وأهمل النقط في الأصل و"ف".
(٣) "ك، ط": "جليسهما بشأنهما".
(٤) كذا في الأصل والنسخ الأخرى ومطبوعة المجالس. ولعل الصواب: "الفاقة"، فإنّ ابن التعريف اعتمد على الهروي، وفي منازله: "الفاقة". وكذا في مدارج السالكين (٢/ ٦١٧)، وعليه فسره ابن القيم في المدارج، وهنا أيضًا كما سيأتي في ص (٦٩٥).
(٥) محاسن المجالس (٩١).
(٦) "ف": "مستمرًّا"، ولعله خطأ، وزاد بعدها في "ك، ط": "بالنسبة".
أحد[هما]١: محبة تنشأ من الإحسان، ومطالعة الآلاء والنعم، فإنَّ القلوب جُبلت على حبّ من أحسن إليها. وبغض من أساء إليها، ولا أحد أعظم إحسانًا من اللَّه سبحانه، فإنَّ إحسانه على عبده في كلِّ نفَس ولحظة، وهو يتقلب في إحسانه في جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان فضلًا عن أنواعه أو عن أفراده. ويكفي أنَّ من بعض أنواعه نعمةَ النفَس التي لا تكاد تخطر ببال العبد، وله عليه في كل يوم وليلة فيه أربعة وعشرون ألف نعمة، فإنَّه يتنفَّس في اليوم والليلة أربعة وعشرين ألف نفَس، وكلّ نفَس نعمة منه سبحانه. فإذا كان أدنى نعمة عليه في كل يوم وليلة أربعة وعشرون٢ ألف نعمة، فما الظنّ بما فوق ذلك وأعظم منه؟ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم/ ٣٤، النحل/ ١٨].
هذا إلى ما يصرف عنه من المضرّات وأنواع الأذى التي تقصده، ولعلّها توازن النعم في الكثرة، والعبد لا شعور له بأكثرها أصلًا، واللَّه سبحانه يكلؤه منها بالليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾[الأنبياء/ ٤٢]. وسواء كان المعنى: مَن يكلؤكم ويحفظكم منه إذا أراد بكم سوءًا، ويكون "يكلؤكم" مضمَّنًا معنى "يجيركم وينجيكم من بأسه"؛ أو كانت "من" للبدلية٣ أي: من يكلؤكم بدل الرحمن سبحانه، أي: هو الذي يكلؤكم وحده، لا كالئ لكم غيره.
(١) "هما" سقط من الأصل سهوًا. وانظر القسم الثاني في ص (٦٩٠).