طريق الهجرتين

ورؤية النعم والآلاء، وكلَّما سافر القلب بفكره١ فيها ازدادت محبته وتأكَّدت. ولا نهاية لها، فيقفَ سفر القلب عندها، بل كلَّما ازداد فيها نظرًا ازداد فيها اعتبارًا وعجزًا٢ عن ضبط القليل منها، فيستدلّ بما عرفه على ما لم يعرفه.

واللَّه سبحانه دعا عباده إليه من هذا الباب، حتّى إذا دخلوا منه دُعُوا من الباب الآخر، وهو باب الأسماء والصفات٣ الذي إنَّما يدخل منه إليه خواصّ عباده وأوليائه، وهو باب المحبين حقًّا الذي لا يدخل منه غيرهم، ولا يشبَع من معرفته أحد منهم، بل كلَّما بدا له منه عَلَمٌ ازداد شوقًا ومحبَّةً وظمأ.

فإذا انضمَّ داعي الإحسان والإنعام إلى داعي الكمال والجمال لم يتخلَّف عن محبّة مَن هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها وأشدّها نقصًا وأبعدها من كلِّ خيرٍ. فإنَّ اللَّه فطر القلوب على محبَّة المحسن الكامل في أوصافه وأخلاقه، وإذا كانت هذه فطرة اللَّه التي فطَر عليها قلوبَ عباده، فمن المعلوم أنَّه لا أحد أعظم إحسانًا منه سبحانه، ولا شيء أكمل منه ولا أجمل؛ فكل كمال وجمال في المخلوق من آثار صُنْعه سبحانه، وهو الذي لا يُحَد كمالُه، ولا يوصَف جلالُه وجمالُه، ولا يحيى أحد من خلقه ثناءً عليه بجميل صفاته وعظيم إحسانه وبديع أفعاله، بل هو كما أثنى على نفسه. وإذ٤ كان الكمال محبوبًا لذاته ونفسه وجَبَ أن يكون

  1. = يخرجاه". وسنده ضعيف لجهالة عبد اللَّه بن سليمان النوفلي. (ز).
  2. (١) "بفكره" ساقط من "ط".
  3. (٢) "ف، ب": "وعجَز"، خلاف الأصل.
  4. (٣) وهذا هو القسم الثاني من المحبة، الذي ينشأ من مطالعة الأسماء والصفات.
  5. (٤) "ك، ط": "إذا".
690

اللَّه هو المحبوب لذاته وصفاته، إذ لا شيء أكمل منه.

وكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته تستدعي محبَّةً خاصَّةً، فإنَّ أسماءَه كلّها حسنى، وهي مشتمة من صفاته، وأفعاله دالَّة عليها، فهو المحبوب المحمود لذاته ولصفاته وأفعاله وأسمائه، فهو المحبوب المحمود١ على كلِّ ما فعل، وعلى كل ما أمر؛ إذ ليس في أفعاله عبث، ولا في أوامره سَفَه. بل أفعاله كلّها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة، وكلّ واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناء والمحبة عليه. وأوامره كلها مصلحة تستوجب الحمد والثناء والمحبة عليها٢. وكلامه كله صدق وعدل، وجزاؤه كلّه فضل وعدل؛ فإنَّه إن أعطى فبفضله ورحمته ونعمته، وإن منع أو عاقبَ فبعدله وحكمته.

ما للعباد عليه حقٌّ واجبٌكلَّا ولا سعيٌ لديه ضائعُ
إن عُذبوا فبعدله، أو نُعِّموافبفضله، وهو الكريم الواسعُ٣

٤ ولا يتصوَّر بشَرٌ٥ هذا المقامَ حق تصوّره فضلًا عن أن يوفّيه٦ حقَّه. فأعرَفُ خلقِه به وأحبُّهم له يقول: "لا أحصي ثناءً عليك، أنتَ كما

  1. (١) "لذاته. . . " إلى هنا ساقط من "ط".
  2. (٢) "وأوامره كلها. . . " إلى هنا ساقط من "ط".
  3. (٣) ذكرهما المؤلف في مدارج السالكين (٢/ ٣٨٩)، وبدائع الفوائد (٦٤٥)، والتبيان (٣٣)، والوابل الصيب (١٥٣).
  4. (٤) في "ك، ط" هنا عنوان "فصل".
  5. (٥) "ك، ط": "نشر"، تصحيف.
  6. (٦) "ك، ط": "يوفَّاه"، خطأ.
691

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي