اللَّه هو المحبوب لذاته وصفاته، إذ لا شيء أكمل منه.
وكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته تستدعي محبَّةً خاصَّةً، فإنَّ أسماءَه كلّها حسنى، وهي مشتمة من صفاته، وأفعاله دالَّة عليها، فهو المحبوب المحمود لذاته ولصفاته وأفعاله وأسمائه، فهو المحبوب المحمود١ على كلِّ ما فعل، وعلى كل ما أمر؛ إذ ليس في أفعاله عبث، ولا في أوامره سَفَه. بل أفعاله كلّها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة، وكلّ واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناء والمحبة عليه. وأوامره كلها مصلحة تستوجب الحمد والثناء والمحبة عليها٢. وكلامه كله صدق وعدل، وجزاؤه كلّه فضل وعدل؛ فإنَّه إن أعطى فبفضله ورحمته ونعمته، وإن منع أو عاقبَ فبعدله وحكمته.
ما للعباد عليه حقٌّ واجبٌكلَّا ولا سعيٌ لديه ضائعُ
إن عُذبوا فبعدله، أو نُعِّموافبفضله، وهو الكريم الواسعُ٣
٤ ولا يتصوَّر بشَرٌ٥ هذا المقامَ حق تصوّره فضلًا عن أن يوفّيه٦ حقَّه. فأعرَفُ خلقِه به وأحبُّهم له يقول: "لا أحصي ثناءً عليك، أنتَ كما
أثنيتَ على نفسك"١. ولو شهد العبد٢ بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبّةَ التامّةَ عليها. وهل مع المحبّين محبة إلا من آثار صفات كماله؟ فإنَّهم لم يروه في هذه الدار، وإنَّما وصل إليهم العلم بآثار صفاته وآثار صنعه، فاستدلّوا بما علموه على ما غاب عنهم، وإلا٣ فلو شاهدوه ورأوا جلاله وكماله وجماله٤ سبحانه لكان لهم في حبّه شأنٌ آخر.
وإنَّما تفاوتت مراتبهم٥ في محبته على حسب تفاوت مراتبهم في معرفته والعلم به، فأعرفهم له٦ أشدّهم حبًّا له. ولهذا كانت رسله صلوات اللَّه وسلامه عليهم أعظمَ الناس حبًّا له، والخليلان من بينهم أعظمهم حبًّا، وأعرف الأمة به أشدّ له حبًّا من غيره٧.
ولهذا كان المنكرون لحبّه سبحانه من أجهل الخلق به، فإنَّهم منكرون لحقيقة إلهيته، ولملَّة٨ الخليلين صلَّى اللَّه عليهما وسلَّم، ولفطرة اللَّه التي فطر اللَّه عبادَه عليها. ولو رجعوا إلى قلوبهم لوجدوا حبّه فيها، ووجدوا معتقدهم وبحثهم٩ يكذّب فِطَرهم. وإنَّما بُعثت الرسل
(١) تقدّم تخريجه في ص (٥٧).
(٢) "العبد" ساقط من "ب، ك، ط".
(٣) "وإلَّا" ساقط من "ك، ط".
(٤) "ب، ك، ط": "جماله وكماله".
(٥) "ط": "منازلهم ومراتبهم". وفي "ك" ضرب على "منازلهم" وليس بعدها واو العطف.