العبارة، وتدقِّق الإشارة، ولا تنتهي بالنعوت، ولا تُعرف إلا بالحيرة والسكوت، وقال بعضهم:
تقول وقد أُلبِستُ وجدًا وحيرةًوقد ضمَّنا بعد التفرُّق محضرُ١
ألستَ الذي كنّا نحدث أنهوَلوع بذكرانا، فأين التذكّرُ؟٢
فرد عليها الوجدُ: أفنيتِ ذكرَهفلم يبقَ إلا زفرة وتحيّرُ٣ "
فيقال: ههنا مرتبتان من المحبة مختلَف في أيّتهما أكمل من الأخرى: إحداهما هذه المرتبة التي أشار إليها المصنف، وهي الدرجة الثالثة التي ذكرها شيخ الإِسلام في منازله٤ فقال: "والدرجة الثالثة محبة خاطفة تقطع العبارة، وتدفق الإشارة، ولا تنتهي بالنعوت. وهذه المحبة قطب هذا الشأن، وما دونها محالّ٥ تنادي عليها الألسن، وادعتها الخليقة، وأوجبتها العقول".
والمرتبة الثانية عند صاحب المنازل ومن تبعه دون هذه المرتبة، وهي المحبة التي تنشأ من مطالعة الصفات، فقال في منازله: "والدرجة الثانية محبة تبعث على إيثار الحقّ على غيره، وتُلهِجُ اللسان بذكره،
(١) "ك، ط": "يقول"، تصحيف.
(٢) "ب، ك، ط": "بذكراها".
(٣) "ف": "فكرة وتحير"، خلاف الأصل. "ب": "حسرة وتحسر".
(٤) يعني شيخ الإِسلام زكريا الأنصاري في كتابه منازل السائرين (٧٢)، وانظر: مدارج السالكين (٢/ ٦١٨، ٦٢٠).
(٥) كذا في الأصل وغيره. وفي المنازل: "محاب"، ولم يشر محققه إلى نسخة أخرى، وكذا في المدارج. فأخشى أن يكون ما هنا سهوًا.
وتعلق١ القلبَ بشهوده، وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات، والنظر في الآيات، والارتياض بالمقامات"٢.
وإنَّما جعل هؤلاء هذه المحبة أنقصَ من المحبة الثالثة بناءً على أصولهم في أنَّ٣ الفناءَ هو غاية المسالك التي لا غاية له وراءَها. فهذه المحبة لما أفنَت المحبّ، واستغرقت روحه، بحيث غيبته عن شهوده، وفني فيها المحبّ، وانمحت رسومه بالكلّية، ولم يبق هناك إلا محبوبه وحده، فكأنَّه هو المحبّ لنفسه بنفسه، إذ فني من لم يكن، وبقي من لم يزل.
ولمَّا ضاق نطاق النطق بهم عن التعبير عنها عدلوا إلى التعبير عنها بكونها قاطعةً للعبارة، مدقّقةً للإشارة، يعني تدِقّ عنها الإشارة؛ لأنَّ٤ الإشارة تتناول محبًّا ومحبوبًا، وفي هذه المحبة قد فني المحبّ، فانقطع تعلُّق الإشارة به، إذ الإشارة لا تتعلّق بمعدوم.
وسر هذا المقام عندهم هو الفناءُ في الحبّ، بحيث لا يشاهد له رسمًا ولا محبَّةً ولا سببًا. ولهذا كانت الدرجتان اللتان قبله عنده٥ معلولتين، لأنَّهما مصحوبتان٦ بالبقاء وشهود الأسباب، بخلاف الثالثة. ولهذا قال: "ولا تنتهي بالنعوت" يعني أنَّ النعت لا يصل إليها
(١) "ك، ط": "يلهج. . . يعلق"، تصحيف.
(٢) منازل السائرين (٧٢). وانظر: المدارج (٦١٧).
(٣) "ط": "فإنَّ"، تحريف.
(٤) "ك، ط": "ولأنَّ"، خطأ.
(٥) "ط": "عنه"، تحريف.
(٦) في الأصل و"ف": "مصحوبان"، ولعله سهو. والمثبت مما عداهما.