طريق الهجرتين

وتعلق١ القلبَ بشهوده، وهي محبة تظهر من مطالعة الصفات، والنظر في الآيات، والارتياض بالمقامات"٢.

وإنَّما جعل هؤلاء هذه المحبة أنقصَ من المحبة الثالثة بناءً على أصولهم في أنَّ٣ الفناءَ هو غاية المسالك التي لا غاية له وراءَها. فهذه المحبة لما أفنَت المحبّ، واستغرقت روحه، بحيث غيبته عن شهوده، وفني فيها المحبّ، وانمحت رسومه بالكلّية، ولم يبق هناك إلا محبوبه وحده، فكأنَّه هو المحبّ لنفسه بنفسه، إذ فني من لم يكن، وبقي من لم يزل.

ولمَّا ضاق نطاق النطق بهم عن التعبير عنها عدلوا إلى التعبير عنها بكونها قاطعةً للعبارة، مدقّقةً للإشارة، يعني تدِقّ عنها الإشارة؛ لأنَّ٤ الإشارة تتناول محبًّا ومحبوبًا، وفي هذه المحبة قد فني المحبّ، فانقطع تعلُّق الإشارة به، إذ الإشارة لا تتعلّق بمعدوم.

وسر هذا المقام عندهم هو الفناءُ في الحبّ، بحيث لا يشاهد له رسمًا ولا محبَّةً ولا سببًا. ولهذا كانت الدرجتان اللتان قبله عنده٥ معلولتين، لأنَّهما مصحوبتان٦ بالبقاء وشهود الأسباب، بخلاف الثالثة. ولهذا قال: "ولا تنتهي بالنعوت" يعني أنَّ النعت لا يصل إليها

  1. (١) "ك، ط": "يلهج. . . يعلق"، تصحيف.
  2. (٢) منازل السائرين (٧٢). وانظر: المدارج (٦١٧).
  3. (٣) "ط": "فإنَّ"، تحريف.
  4. (٤) "ك، ط": "ولأنَّ"، خطأ.
  5. (٥) "ط": "عنه"، تحريف.
  6. (٦) في الأصل و"ف": "مصحوبان"، ولعله سهو. والمثبت مما عداهما.
702

ولا يدركها. وهذ ابناءً على قاعدته في كلِّ باب من أبواب كتابه بجعل١ الدرجة الثالثة٢ التي تتضمن الفناءَ أكمل ممَّا قبلها.

والصواب أنَّ الدرجة الثانية أكمل من هذه وأتمّ، وهي درجة الكمَّل٣ من المحبين. ولهذا كان إمامهم وسيدهم وأعظمهم حبًّا ﷺ في الذروة العليا من المحبة، وهو مراع لجزئيات الأمر ولجزئيات الأمة٤، مثل سماعِه بكاءَ الصبيّ في الصلاة فيخفّفها لأجله٥، ومثل التفاته في صلاته إلى الشعب الذي بعث منه العينَ يتعرَّف له أمر العدوّ٦، هذا وهو في أعلى درجات٧ المحبة.

ولهذا رأى ما رأى ليلة الإسراء٨، وهو ثابت الجأش، حاضر القلب، لم يفنَ عن تلقّي خطاب ربه وأوامره، ومراجعته في أمر الصلاة مرارا. ولا ريب أنَّ هذه٩ الحال أكمل من حال موسى الكليم صلوات اللَّه وسلامه عليهما وعلى جميع النبيين، فإنَّ موسى خرَّ صعقًا وهو في

  1. (١) كذا في "ك". وفي "ط": "يجعل" ولم ينقط أوله في الأصل وغيره.
  2. (٢) "ك، ط": "العالية"، تحريف.
  3. (٣) "ط": "الكملة"، وقد مرّت أمثلة من هذا التغيير في "ط".
  4. (٤) في "ب" تحرفت كلمة "الجزئيات" في الموضعين إلى "حرمات". وفي "ك": "لجريان الأمور". وفي "ط": "لجريان الأمور وجريان الأمة".
  5. (٥) كما في حديث أبي قتادة الذي أخرجه البخاري في كتاب الأذان (٧٠٧)، وحديث أنس الذي أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٧٠).
  6. (٦) أخرجه أبو داود (٢٥٠١)، وابن خز يمة (٤٨٧)، وأبو عوانة (٥/ ٩٨)، والحاكم (٨٦٥). والحديث صححه ابن خزيمة والحاكم. (ز).
  7. (٧) "ك، ط": "درجة".
  8. (٨) "ك، ط": "في ليلة الإسراء".
  9. (٩) "ك، ط": "هذا".
703

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي