ولا يدركها. وهذ ابناءً على قاعدته في كلِّ باب من أبواب كتابه بجعل١ الدرجة الثالثة٢ التي تتضمن الفناءَ أكمل ممَّا قبلها.
والصواب أنَّ الدرجة الثانية أكمل من هذه وأتمّ، وهي درجة الكمَّل٣ من المحبين. ولهذا كان إمامهم وسيدهم وأعظمهم حبًّا ﷺ في الذروة العليا من المحبة، وهو مراع لجزئيات الأمر ولجزئيات الأمة٤، مثل سماعِه بكاءَ الصبيّ في الصلاة فيخفّفها لأجله٥، ومثل التفاته في صلاته إلى الشعب الذي بعث منه العينَ يتعرَّف له أمر العدوّ٦، هذا وهو في أعلى درجات٧ المحبة.
ولهذا رأى ما رأى ليلة الإسراء٨، وهو ثابت الجأش، حاضر القلب، لم يفنَ عن تلقّي خطاب ربه وأوامره، ومراجعته في أمر الصلاة مرارا. ولا ريب أنَّ هذه٩ الحال أكمل من حال موسى الكليم صلوات اللَّه وسلامه عليهما وعلى جميع النبيين، فإنَّ موسى خرَّ صعقًا وهو في
(١) كذا في "ك". وفي "ط": "يجعل" ولم ينقط أوله في الأصل وغيره.
(٢) "ك، ط": "العالية"، تحريف.
(٣) "ط": "الكملة"، وقد مرّت أمثلة من هذا التغيير في "ط".
(٤) في "ب" تحرفت كلمة "الجزئيات" في الموضعين إلى "حرمات". وفي "ك": "لجريان الأمور". وفي "ط": "لجريان الأمور وجريان الأمة".
(٥) كما في حديث أبي قتادة الذي أخرجه البخاري في كتاب الأذان (٧٠٧)، وحديث أنس الذي أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٧٠).
(٦) أخرجه أبو داود (٢٥٠١)، وابن خز يمة (٤٨٧)، وأبو عوانة (٥/ ٩٨)، والحاكم (٨٦٥). والحديث صححه ابن خزيمة والحاكم. (ز).
(٧) "ك، ط": "درجة".
(٨) "ك، ط": "في ليلة الإسراء".
(٩) "ك، ط": "هذا".
مقامه في الأرض لمَّا تجلَّى ربُّه للجبل، والنبيّ ﷺ قطع تلك المسافات، وخرق تلك الحجب، ورأى ما رأى، وما زاغ بصره ولا طغى١، ولا اضطرب فؤاده ولا صعق، فصلوات اللَّه وسلامه عليه. ولا ريب أنَّ الوراثة المحمّدية أكمل من الوراثة الموسويّة.
وتأمَّل شأن النسوة اللاتي رأين يوسف، كيف أدهشهنَّ حسنُه وتعلّق٢ قلوبهنَّ به، وأفناهنَّ عن أنفسهنَّ حتَّى قطَّعن أيديهنَّ. وامرأةُ العزيز أكملُ حبًّا منهنَّ له وأشدّ، ولم يعرض لها ذلك، مع أنَّ حبها أقوى وأتمّ؛ لأنَّ حبّها كان مع البقاءِ، وحبّهن كان مع الفناءِ. فالنسوة غيَّبهنّ حسنُه وحبُّه٣ عن أنفسهنَّ، فبلغن من تقطيع أيديهنَّ ما بلغن؛ وامرأة العزيز لم يغيّبها حبُّها له٤ عن نفسها، بل كانت حاضرةَ القلب متمكّنةً في حبّها، فحالها حال الأقوياء من المحبين، وحال النسوة حال أصحاب الفناءِ.
ومما يدلّ على أنَّ حال البقاءِ في الحبّ أكمل من حال الفناء أنَّ الفناءَ إنَّما يعرض لضعف النفس عن حمل٥ وارد المحبة، فتمتلئ به، وتضعف عن حمله، فيفنيها ويغيّبها عن تمييزها وشهودها، فيورثها الحيرة والسكوت. وأمَّا حال البقاء فيدلّ على ثبات النفس وتمكّنها، وأنَّها حملت من الحبّ ما لم يطلق حملَه صاحبُ الفناءِ، فتصرَّفتْ في