طريق الهجرتين

حبّها، ولم يتصرّف فيها. والكامل١ من إذا ورد عليه الحال تصرف هو فيه، ولا يدع حاله يتصرّف فيه.

وأيضًا فإنَّ البقاء متضمن لشهود كمال المحبوب٢، ولشهود ذلّ عبوديته في محبته٣، ولشهود مراضيه وأوامره، والتمييز بين ما يحبه ويكرهه، والتمييز بين المحبوب إليه والأحبّ، والعزم على إيثار الأحبّ إليه. فكيف يكون الفاني عن شهود هذا بتغييب٤ الحبّ له أكملَ وأقوى؟ وأي عبودية للمحبوب في فناءِ المحبّ في محبته؟ وهل العبودية كلّ العبودية إلا في البقاءِ والصحوِ، وكمالِ التمييز، وشهود عزّة محبوبه، وذلّه هو٥ في حبّه واستكانته فيه، واجتماع إرادته كلها في تنفيذ مراد محبوبه؟

فهذا وأمثاله مما يدلّ على أنَّ الدرجة الثانية التي أشار إليها أكملُ من الثالثة وأتم. وهكذا في جميع أبواب الكتاب. واللَّه أعلم.

وكأنِّي بك تقول: لا يُقبَل٦ في هذا إلا كلامُ مَن قطَع هذه المفاوِزَ حالًا وذوقًا، وأمَّا الكلام فيها بلسان العلم المجرد فغير مقبول، والمحبون أصحاب الحال والذوق في المحبة، لهم شأن وراءَ الأدلة والحجَج!

  1. (١) "ك، ط": "الكمال".
  2. (٢) "ب": "متضمن لكمال المحبوب".
  3. (٣) "ك، ط": "عبوديته ومحبته".
  4. (٤) "ط": "التغييب".
  5. (٥) "ك، ط": "وذله وهو".
  6. (٦) "ب": "لا نقبل"، والأصل غير منقوط.
705

فاعلم أوَّلًا أنَّ كلَّ حال وذوق ووجد وشهود لا يُشرِق عليه نورُ العلم المؤيَّد بالدليل، فهو من عيش١ النفس وحظوظها. فلو قُدِّرَ أنَّ المتكلّم إنَّما تكلَّم بلسان العلم المجرَّد، فلا ريبَ أنَّ ما كشفه العلم الصحيح المؤيَّد بالحجَّة أنفعُ من حالٍ يخالف العلمَ و[العلمُ]٢ يخالفه. وليس من الإنصاف ردّ العلم الصحيح بمجرَّد الذوق والحال، وهذا أصل الضلالة، ومنه دخل الداخل على كثير من السالكين في تحكيم أذواقهم ومواجيدهم على العلم، فكانت فتنةٌ في الأرض وفساد كبير. وكم قد ضلَّ وأضلَّ محكِّم الحال على العلم! بل الواجب تحكيمُ العلم على الحال، وردُّ الحال إليه، فما زكَّاه شاهدُ العلم فهو المقبول، وما جرحه شاهد العلم فهو المردود. وهذه وصية أرباب الاستقامة من مشايخ الطريق ﵃، كلّهم٣ يوصون بذلك، ويخبرون أنَّ كلّ ذوق ووجد لا يقوم عليه شاهدان اثنان من العلم فهو باطل.

ويقال ثانيًا: ليس من شرط قبول العلم بالشيء من العالم به أن يكون ذائقًا له. أفتراك لا تقبل معرفة الآلام والأوجاع وأدويتها إلا ممَّن قد مرض وتداوى بها٤؟ أفيقول هذا عاقل؟

ويقال ثالثًا: أتريد بالذوق أن يكون القائل قد بلغ الغاية القصوى في

  1. (١) "ط": "عبث"، تحريف.
  2. (٢) ما بين الحاصرتين زيادة من "ط".
  3. (٣) "كلهم" ساقط من "ب". وسقطت معه كلمة الترضي أيضًا من "ك، ط".
  4. (٤) "وتداوى" مكتوب في حاشية الأصل، والإشارة تدلّ على أن مكانها قبل "بها" كما أثبتنا، وفي "ف": "مرض بها وتداوى"، وفي "ب، ك، ط": "مرض بها وتداوى بها".
706

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي