طريق الهجرتين

فاعلم أوَّلًا أنَّ كلَّ حال وذوق ووجد وشهود لا يُشرِق عليه نورُ العلم المؤيَّد بالدليل، فهو من عيش١ النفس وحظوظها. فلو قُدِّرَ أنَّ المتكلّم إنَّما تكلَّم بلسان العلم المجرَّد، فلا ريبَ أنَّ ما كشفه العلم الصحيح المؤيَّد بالحجَّة أنفعُ من حالٍ يخالف العلمَ و[العلمُ]٢ يخالفه. وليس من الإنصاف ردّ العلم الصحيح بمجرَّد الذوق والحال، وهذا أصل الضلالة، ومنه دخل الداخل على كثير من السالكين في تحكيم أذواقهم ومواجيدهم على العلم، فكانت فتنةٌ في الأرض وفساد كبير. وكم قد ضلَّ وأضلَّ محكِّم الحال على العلم! بل الواجب تحكيمُ العلم على الحال، وردُّ الحال إليه، فما زكَّاه شاهدُ العلم فهو المقبول، وما جرحه شاهد العلم فهو المردود. وهذه وصية أرباب الاستقامة من مشايخ الطريق ﵃، كلّهم٣ يوصون بذلك، ويخبرون أنَّ كلّ ذوق ووجد لا يقوم عليه شاهدان اثنان من العلم فهو باطل.

ويقال ثانيًا: ليس من شرط قبول العلم بالشيء من العالم به أن يكون ذائقًا له. أفتراك لا تقبل معرفة الآلام والأوجاع وأدويتها إلا ممَّن قد مرض وتداوى بها٤؟ أفيقول هذا عاقل؟

ويقال ثالثًا: أتريد بالذوق أن يكون القائل قد بلغ الغاية القصوى في

  1. (١) "ط": "عبث"، تحريف.
  2. (٢) ما بين الحاصرتين زيادة من "ط".
  3. (٣) "كلهم" ساقط من "ب". وسقطت معه كلمة الترضي أيضًا من "ك، ط".
  4. (٤) "وتداوى" مكتوب في حاشية الأصل، والإشارة تدلّ على أن مكانها قبل "بها" كما أثبتنا، وفي "ف": "مرض بها وتداوى"، وفي "ب، ك، ط": "مرض بها وتداوى بها".
706

هذه المرتبة، فلا تقبل إلا ممَّن هذا شأنه، أو تريد به١ أنه لا بدَّ أن يكون له أذواق أهله من حيث الجملة٢؟ فإن أردتَ الأوَّل لزمك أن لا تقبل٣ من أحد، إذ ما من ذوق إلا وفوقه أكمل منه. وإن أردت الثاني، فمن أين لك نفيُه عن صاحب العلم؟ ولكن لإعراضك عن العلم وأهله صرتَ تظنّ أنّ أهل العلم لهم العلم والكلام والوصف، وللمعرضين عنه الذوق والحال والاتصاف.

والظنُّ يخطئ تارةً ويُصيبُ٤

واللَّه أعلم.

فصل

قال أبو العباس: "فعند القوم كلّ ما هو من العبد فهو علَّة تليق بعجز العبد وفاقته. وإنَّما عين الحقيقة عندهم أن يكون قائمًا بإقامته له، محبًّا بمحبَّته له، ناظرًا بنظره له٥، من غير أن يبقى معه بقيَّةٌ تُناط باسم، أو تقف على رسم، أو تتعلَّق بأثر٦، أو تُنعَت بنعت، أو تُوصف

  1. (١) "به" ساقط من "ب، ك، ط".
  2. (٢) "ك، ط": "يحمله"، تحريف.
  3. (٣) "ك": "لا يقبل"، ولم ينقط حرف المضارع في غيرها. وزاد في "ط" بعده: "أحد".
  4. (٤) صدر بيت لأبي العتاهية في ديوانه (٢٩). وهو:
    الظن يخطئ تارةً ويصيبُ ... وجميعُ ما هو كائن فقريبُ
    وقال الطغرائي من قصيدة في ديوانه (٦٣):
    غُرّتْ بترجيم الظنون فأخطأت ... والظنّ يخطئ مرَّةً ويصيبُ
  5. (٥) "له" تحرفت في "ك، ط" إلى "لا".
  6. (٦) "ط": "بنظر".
707

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي