هذه المرتبة، فلا تقبل إلا ممَّن هذا شأنه، أو تريد به١ أنه لا بدَّ أن يكون له أذواق أهله من حيث الجملة٢؟ فإن أردتَ الأوَّل لزمك أن لا تقبل٣ من أحد، إذ ما من ذوق إلا وفوقه أكمل منه. وإن أردت الثاني، فمن أين لك نفيُه عن صاحب العلم؟ ولكن لإعراضك عن العلم وأهله صرتَ تظنّ أنّ أهل العلم لهم العلم والكلام والوصف، وللمعرضين عنه الذوق والحال والاتصاف.
والظنُّ يخطئ تارةً ويُصيبُ٤
واللَّه أعلم.
فصل
قال أبو العباس: "فعند القوم كلّ ما هو من العبد فهو علَّة تليق بعجز العبد وفاقته. وإنَّما عين الحقيقة عندهم أن يكون قائمًا بإقامته له، محبًّا بمحبَّته له، ناظرًا بنظره له٥، من غير أن يبقى معه بقيَّةٌ تُناط باسم، أو تقف على رسم، أو تتعلَّق بأثر٦، أو تُنعَت بنعت، أو تُوصف
(١) "به" ساقط من "ب، ك، ط".
(٢) "ك، ط": "يحمله"، تحريف.
(٣) "ك": "لا يقبل"، ولم ينقط حرف المضارع في غيرها. وزاد في "ط" بعده: "أحد".
(٤) صدر بيت لأبي العتاهية في ديوانه (٢٩). وهو: الظن يخطئ تارةً ويصيبُ ... وجميعُ ما هو كائن فقريبُ وقال الطغرائي من قصيدة في ديوانه (٦٣): غُرّتْ بترجيم الظنون فأخطأت ... والظنّ يخطئ مرَّةً ويصيبُ
(٥) "له" تحرفت في "ك، ط" إلى "لا".
(٦) "ط": "بنظر".
بوصف، أو تنسَب إلى وقت. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، لدينا محضَرون"١.
فيقال: هذا هو مقام الفناءِ الذي يشير إليه كثيرٌ من المتأخرين، ويجعلونه غاية الغايات ونهاية النهايات، وكلُّ ما دونه فمِرقاةٌ إليه وعَيلةٌ عليه. ولهذا كانت المحبة عندهم آخرَ منازل الطريق، وأوَّلَ أودية الفناءِ، والعقبةَ التي يُنحدَر منها على منازل المحو، وهي آخر منزل يلقَى فيه مقدّمة العامَة ساقةَ الخاصَّة، وما دونها أغراض لأعواض٢. فجعلوا المحبة منزلةً٣ من المنازل ليست غاية، وجعلوها أوَّل الأودية التي يسلك٤ فيها أصحاب الفناءِ، فهي أوَّل أوديتهم والعقبة التي ينحدرون منها إلى منازل الفناء والمحو. فليست هي الغاية عندهم، وأصحابها عندهم مقدّمة العامَّة، وساقةُ إصحاب الفناء عندهم متقدّمون٥ عليهم سابقون لهم، فإنَّهم ساقة الخاصّة، وهؤلاء مقدّمة العامّة. وهذا٦ كلّه بناءً على أنَّ الفناء هو الغاية التي لا غاية للعبد وراءَها، ولا كمال له يطلبه فوقها. وقد تبيّن ما في ذلك، وما هو الصواب، بحمد للَّه.
(١) محاسن المجالس (٩٢).
(٢) "لأعواض" بالواو. كذا في الأصل، وفي منازل السائرين الذي أخذ منه المؤلف هذه العبارة ولم يشر محققه إلى قراءة أخرى. انظر: المنازل (٧١)، ومدارج السالكين (٢/ ٦١٤)، وفسر المؤلف فيه معنى الأعواض هنا. وفي النسخ الأخرى وفي المجالس (٩٥): "لأعراض" بالراء. هذا، وقد كتب في الأصل بعد هذه العبارة: "هذا كلام صاحب المنازل" ثم ضرب عليه.