طريق الهجرتين

الفصل الأوَّل في حقيقته

الشوقُ هو سفرُ القلب في طلب محبوبه، بحيث لا يقرّ قراره حتّى يظفر به ويحصل له١.

وقيل: هو لهيب ينشأ بين أثناء الحشا، سببه الفرقة. فإذا وقع اللقاءُ أطفأ ذلك اللهيب٢.

وقيل: الشوق هبوب القلب إلى محبوب غائب عنه٣.

وقال ابن خفيف: الشوق أرتياح القلوب بالوجد، ومحبَّة اللقاءِ والقرب٤.

وقيل: الشوق نزوع٥ القلب نحو المحبوب من غير منازع.

ويقال: الشوق انتظار اللقاءِ بعد البعاد.

فهذه الحدود ونحوها مشتركة في أنَّ الشوق إنَّما يكون مع الغيبة من المحبوب، وأمَّا مع حضوره ولقائه فلا شوق. وهذه حجة من جعل

  1. (١) وانظر: مدارج السالكين (٣/ ١٥)، روضة المحبين (١١٢).
  2. (٢) القشيرية (٣٣٠)، مدارج السالكين (٣/ ١٦).
  3. (٣) قد انتشر الحبر على "عنه" في الأصل، ولا يبعد أن تكون مضروبًا عليها، وقد أثبتناها تبعًا لناسخ "ف"، ولم يثبتها غيره. والقول لصاحب منازل السائرين (٧٣)، وانظر المدارج (٣/ ١٨).
  4. (٤) "ط": "بالقرب". وانظر: القشيرية (٣٣١)، المدارج (٣/ ١٦). وابن خفيف: أبو عبد اللَّه محمد بن خفيف المتوفى سنة ٣٧١ هـ. كان مقيمًا بشيراز وكان شيخ المشايخ في وقته. طبقات الصوفية (٤٦٢).
  5. (٥) "ك": "نزوح". "ط": "تروح"، وكلاهما تحريف.
713

المحبة أعلى منه، فإنَّ المحبة لا تزول باللقاءِ. وبهذا يتبين الكلام في:

الفصل الثاني، وهو الفرق بينه وبين المحبة

والفرق١ بينهما فرق ما بين الشيء وأثره. فإنَّ الحامل على الشوق هو المحبة، ولهذا يقال: لمحبتي له اشتقتُ إليه، وأحببتُه فاشتقتُ إلى لقائه. ولا يقال: لشوقي إليه أحببتُه، ولا: اشتقتُ إلى لقائه فأحببتُه. فالمحبَّة بَذْرٌ في القلب. والشوق بعض ثمرات ذلك البذر.

وكذلك من ثمراتها: حمدُ المحبوب، والرضا عنه، وشكره، وخوفه، ورجاؤه، والتنعّم بذكره، والسكون إليه، والأنس به، والوحشة بغيره. وكلّ هذه من أحكام المحبة، وثمراتها، وموجباتها٢.

فمنزلة الشوق من المحبة منزلة الهرب من البغضاء والكراهة. فإنَّ القلب إذا أبغض الشيء وكرهه جدّ في الهرب منه، وإذا أحبّه جدّ في الهرب إليه وطلبه؛ فهو حركة القلب في الظفر بمحبوبه.

ولشدَّة ارتباط الشوق بالمحبّة يقع كلُّ واحد منهما موقعَ صاحبه، ويُفهَم منه، ويُعبَّر به عنه.

فصل وأمَّا المسائل فإحداها: هل يجوز إطلاقه على اللَّه تعالى؟

فهذا ممَّا لم يرد به القرآن ولا السنَّة بصريح لفظه. قال صاحب "منازل السائرين" وغيره: وسبب ذلك أنَّ الشوق إنَّما يكون لغائب.

  1. (١) حذف الواو في "ط"، وزاد بين حاصرتين: "الفصل الثاني".
  2. (٢) "ط": "وهو حياتها"، تحريف طريف!
714

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي