ومذهب هذه الطائفة إنَّما قام على المشاهدة، ولهذا السبب عندهم لم يجئ في حقِّ اللَّه ولا في حقِّ العبد١.
وجوّزت طائفةٌ إطلاقَه كما يطلَق عليه سبحانه المحبَّة٢، ورووا في أثر أنَّه تعالى يقول: "طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشوَق"٣.
وفي أثر آخر٤: أنَّ اللَّه تعالى أوحى إلى داود: قل لشبّان بني إسرائيل: لِمَ تشغلوا٥ أنفسكم بغيري، وأنا مشتاق إليكم؟ ما هذا الجفاء؟٦.
وفي أثر آخر: أوحى اللَّه إلى داود: لو يعلم المدبرون عنِّي كيف انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم؛ لماتوا شوقًا
(١) انظر: منازل السائرين (٧٣).
(٢) "المحبة" ساقط من "ب، ك، ط".
(٣) ذكره المؤلف في روضة المحبين (١١٣). وقال: "جاء في أثر إسرائيليّ". وفي إحياء العلوم (٤/ ٣٢٤) "قال أبو الدرداء لكعب: أخبرني عن أخص آية -يعني في التوراة- فقال: يقول اللَّه تعالى: طال شوق الأبرار إلى لقائي وإنّي إلى لقائهم لأشدّ شوقًا. قال: ومكتوب إلى جانبها: من طلبني وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني. فقال أبو الدرداء: أشهد أنِّي لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول هذا. وأخرجه صاحب الفردوس (٥/ ٢٤٠) (٨٠٦٧) عن أبي الدرداء.
(٤) أضيف هذا الأثر وكذلك الأثر التالي في حاشية الأصل، ولم أجد علامة اللحق. وقد أثبتهما ناسخ "ف" بعد قول المؤلف فيما يأتي "لا يغيب العبد عنه"، والظاهر أن مكانهما هنا. وكلاهما ساقط من "ب، ك، ط".
(٥) كذا في الأصل و"ف" بحذف نون الرفع.
(٦) الرسالة القشيرية (٣٣٢).
إليَّ، وانقطعت أوصالهم من محبَّتي. يا داود، هذه إرادتي في المدبرين عنِّي، فكيف إرادتي في المقبلين عليّ؟١
قالوا: وهذا الذي تقتضيه الحقيقة، وإن لم يرد به لفظ صريح، فالمعنى حقّ٢، فإنَّ كلَّ محبّ فهو مشتاق إلى لقاءِ محبوبه.
قالوا: وأمَّا قولكم إنَّ الشوق إنَّما يكون إلى غائب، وهو سبحانه لا يغيب عن عبده، ولا يغيب العبد عنه؛ فهذا حضور العلم. وأمَّا اللقاء والقرب فأمرٌ آخر. فالشوق يقع بالاعتبار الثاني، وهو قرب الحبيب ولقاؤه، والدنو منه، وهذا له أجل مضروب لا ينال قبله. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾[العنكبوت/ ٥]. قال أبو عثمان الحيري٣: هذا تعزية للمشتاقين، معناه: إنِّي أعلم أن اشتياقكم إليَّ غالب، وأنا أجّلتُ للقائكم أجلًا، وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه٤.
والصواب أن يقال: إطلاق اللفظ٥ متوقّف على السمع، ولم يَرِدْ به، فلا ينبغي إطلاقه. وهذا كلفظ "العشق" أيضًا، فإنَّه لمَّا لم يرِدْ به سمعٌ فإنَّه يمتنع إطلاقه عليه سبحانه. واللفظ الذي أطلقه سبحانه على
(١) القشيرية (٣٣٢)، إحياء علوم الدين (٤/ ٣٢٦).
(٢) "ب": "ظاهر".
(٣) أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري -نسبة إلى الحيرة، قرية من قرى نيسابور- وأصله من الري. صحب أبا حفص النيسابوري وأخذ عنه طريقته. ومنه انتشرت طريقة التصوف في نيسابور. مات سنة ٢٩٨ هـ. طبقات الصوفية (١٧٠).