سبحانه ويُثنى١ عليه ويحمَد٢ ويمجَّد بها دون غيرها.
الخامس: أنَّ هذا القائل لو سُفي بهذه الأسماء، وقيل له: هذه مدحتك وثناءٌ عليك، فأنتَ الماكر الفاتن المخادع المضلّ اللاعن٣ الفاعل الصانع ونحوها، أكان٤ يرضى بإطلاق هذه الأسماء عليه ويعدّها مدحة؟ وللَّه المثل الأعلى سبحانه وتعالى عمَّا يقول الجاهلون٥ به علوًّا كبيرًا.
السادس: أنَّ هذا القائل يلزمه أن يجعل من أسمائه: اللاعن، والجائي، والآتي، والذاهب، والتارك، والمقاتل، والصارف٦، والمنزل، والنازل، والمدمدم، والمدمِّر، وأضعاف أضعاف ذلك؛ فيشتقّ له اسمًا من كلِّ فعل أخبر به عن نفسه، وإلا تناقض تناقضًا بيِّنًا، ولا يمكنه ولا أحدًا من العقلاء٧ طردُ ذلك. فعُلِمَ بطلان قوله، والحمد للَّه ربِّ العالمين.
فصل
وأمَّا المسألة الثانية وهي: هل يطلق على العبد أنَّه يشتاق إلى اللَّه
(١) كذا في الأصلِ وغيره وضبط في "ف" بفتح الحاء. وفي "ط": ". . سبحانه أن يُثنَى".
(٢) "ب": "يحمد بها".
(٣) تحرفت "اللاعن" في "ف" هنا وفيما بعد إلى "الاعز".
(٤) "ك، ط": "لما كان".
(٥) "ب": "الجاحدون".
(٦) "ب، ط": "الصادق".
(٧) "ك، ط": "بينًا ولا أحد من العقلاء".
وإلى لقائه؟
فهذا غير ممتنع، فقد روى الإمام أحمد في مسنده والنسائي وغيرهما من حديث حمَّاد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه قال: صلَّى بنا عمَّار بن ياسر صلاةً فأوجز فيها، فقلتُ: خفَّفتَ يا أبا اليقظان، فقال: وما عليَّ من ذلك، ولقد دعوتُ اللَّه بدعواتٍ سمعتُها من رسول اللَّه ﷺ. فلمَّا قام تبعه رجل من القوم فسأله عن الدعوات فقال: "اللّهم بعلمك الغيبَ وقدرتِك على الخلق أحْيِني ما علمتَ الحياةَ خيرًا لي، وتوفّني إذا علمتَ الوفاةَ خيرًا لي. اللّهم إنِّي أسألك خشيتَك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحقّ في الغضب والرضا، وأسألك القصدَ في الغنى والفقر١، وأسألك نعيمًا لا ينفَد، وقرَّة عين لا تنقطع. وأسألك الرضا. بعد القضاءِ، وبردَ العيشِ بعد الموت. وأسألك لذَّةَ النظر إلى وجهك، والشوقَ إلى لقائك، في غير ضرَّاء مُضِرَّة ولا فتنة مضلَّة. اللهم زيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداةً مهتدين"٢.
فهذا فيه إثباتُ لذَّة النظر إلى وجهه الكريم، وشوق أحبابه إليه وإلى لقائه٣. فإنَّ حقيقة الشوق إليه هو الشوق إلى لقائه.
قال أبو القاسم القشيري: سمعتُ الأستاذ أبا علي٤ يقول في قوله ﷺ: "أسألك الشوق إلى لقائك" قال: كان الشوق مائة جزءٍ، فتسعة٥