وتسعون له، وجزءٌ متفرِّقٌ في الناس. فأراد أن يكون ذلك الجزءُ أيضًا له١، فغار أن تكون شظيّة من الشوق لغيره٢. قال: وسمعته يقول في قول موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾[طه/ ٨٤] قال: معناه شوقًا إليك، فستَره بلفظ الرضا٣. وهذا أكثر مشايخ الطريق يطلقونه ولا يمتنعون منه.
وقيل: إنَّ شعيبًا بكى حتّى عمي بصره، فأوحى اللَّه إليه: إن كان هذا لأجل الجنَّة فقد أبَحْتُها لك، وإن كان لأجل النار فقد أجرتُك منها. فقال: لا بل شوقًا إليك٤.
وقال بعض العارفين: من اشتاق إلى اللَّه اشتاق إليه كلُّ شيء٥.
وقال بعضهم: قلوب المشتاقين٦ منوَّرة بنور اللَّه ﷿، فإذا تحرَّك اشتياقهم أضاءَ النورُ ما بين السماء والأرض، فيعرضهم اللَّه على الملائكة فيقول: هؤلاء المشتاقون إليَّ٧، أُشهِدكم أنِّي إليهم أشوَق٨.
(١) "ك، ط": "له أيضًا".
(٢) "ط": "في غيره". وانظر: القشيرية (٣٣٢).
(٣) ردّ عليه المصنّف في مدارج السالكين (٣/ ٢٤) بقوله: "وظاهر الآية أنّ الحامل لموسى على العجلة طلبُ رضى ربّه، وأنّ رضاه في المبادرة إلى أوامره والعجلة إليها. . . ".
(٤) هذه الحكاية أيضًا مما نقله القشيري عن أبي علي. انظر: القشيرية (٣٣٣).
(٥) القشيرية (٣٣٣).
(٦) "ك، ط": "العاشقين".
(٧) "ب": "إليّ، إني" وإحدى الكلمتين مضروب عليها في الأصل.
(٨) القشيرية: (٣٣١)، ونقله عن فارس. ولعله فارس بن عيسى -وقيل: ابن =
وإذا كان الشوق هو سفر القلب في طلب محبوبه ونزوعه إليه، فهو من أشرف مقامات العبد١ وأجلّها وأعلاها. ومن أنكر شوقَ العبد إلى ربِّه فقد أنكر محبته له؛ لأنَّ المحبَّة تستلزم٢ الشوق. فالمحبّ دائمًا مشتاق إلى لقاء حبيبه٣، لا يهدأ قلبه، ولا يقرّ قراره إلا بالوصول إليه.
وأمَّا٤ قوله: "إنَّ الشوق عند الخواصّ علَّة عظيمة؛ لأنَّ الشوق إنَّما يكون إلى غائب، ومذهب هذه الطائفة إنَّما قام على المشاهدة".
فيقال: المشاهدة نوعان: مشاهدة عرفان، ومشاهدة عيان، وبينهما من التفاوت ما بين اليقين والعيان. ولا ريب أنَّ مشاهدة العرفان متفاوتة بحسب تفاوت الناس في المعرفة٥، ورسوخهم فيها، وليس للمعرفة نهاية تنتهي إليها بحيث إذا وصل إليها العارف سكن قلبه عن الطلب، بل كلَّما وصل منها إلى معلَم ومنزلة اشتدَّ شوقه إلى ما وراءه. فكلَّما٦ ازداد معرفةً ازداد شوقًا. فشوق العارف أعظم الشوق، فلا يزال في مزيد من الشوق ما دام في مزيد من المعرفة، فكيف يكون الشوق عنده علَّةً عظيمةً؟ هذا من المحال البيِّن. بل من عرف اللَّه اشتاق إليه، وإذا كانت المعرفة لا نهاية لها، فشوق العارف لا نهاية له.
= محمد- أبو الطيب الصوفي، جالس الجنيد وأقرانه. وروى عنه الحاكم وغيره. تاريخ بغداد (١٢/ ٣٩٠).