وإذا كان الشوق هو سفر القلب في طلب محبوبه ونزوعه إليه، فهو من أشرف مقامات العبد١ وأجلّها وأعلاها. ومن أنكر شوقَ العبد إلى ربِّه فقد أنكر محبته له؛ لأنَّ المحبَّة تستلزم٢ الشوق. فالمحبّ دائمًا مشتاق إلى لقاء حبيبه٣، لا يهدأ قلبه، ولا يقرّ قراره إلا بالوصول إليه.
وأمَّا٤ قوله: "إنَّ الشوق عند الخواصّ علَّة عظيمة؛ لأنَّ الشوق إنَّما يكون إلى غائب، ومذهب هذه الطائفة إنَّما قام على المشاهدة".
فيقال: المشاهدة نوعان: مشاهدة عرفان، ومشاهدة عيان، وبينهما من التفاوت ما بين اليقين والعيان. ولا ريب أنَّ مشاهدة العرفان متفاوتة بحسب تفاوت الناس في المعرفة٥، ورسوخهم فيها، وليس للمعرفة نهاية تنتهي إليها بحيث إذا وصل إليها العارف سكن قلبه عن الطلب، بل كلَّما وصل منها إلى معلَم ومنزلة اشتدَّ شوقه إلى ما وراءه. فكلَّما٦ ازداد معرفةً ازداد شوقًا. فشوق العارف أعظم الشوق، فلا يزال في مزيد من الشوق ما دام في مزيد من المعرفة، فكيف يكون الشوق عنده علَّةً عظيمةً؟ هذا من المحال البيِّن. بل من عرف اللَّه اشتاق إليه، وإذا كانت المعرفة لا نهاية لها، فشوق العارف لا نهاية له.
= محمد- أبو الطيب الصوفي، جالس الجنيد وأقرانه. وروى عنه الحاكم وغيره. تاريخ بغداد (١٢/ ٣٩٠).
(١) "ط": "العبيد".
(٢) "ط": "تستلذ"، تحريف.
(٣) "ط": "محبوبه".
(٤) "ك، ط": "فأما".
(٥) "ط": "بالمعرفة".
(٦) "ط": "وكلما".
هذا مع الشوق الناشئ عن طلب اللقاء والرؤية والمعرفة العيانية، فإذا كان القلبُ١ حاضرًا عند ربِّه، وهو غير غائب عنه، لم يوجب له هذا أن لا يكون مشتاقًا إلى لقائه ورؤيته، بل هذا يكون أتمّ لشوقه وأعظم.
فظهر أنَّ قوله "إنَّ الشوق علَّة عظيمة في طريق الخواصّ" كلام باطل على كلِّ تقدير، وأنَّ الشوق بالحقيقة إنَّما هو شوق الخواصّ العارفين باللَّه. والعبد إذا كان له مع اللَّه حال أو مقام، وكُشِفَ له عمَّا هو أفضل منه وأجلّ؛ اشتاق إليه بالضرورة، ولم يكن شوقه علَّةً له ونقصًا في حاله، بل زيادةً وكمالًا؛ ويكون ترك الشوق هو العلَّة. وقد تقدَّم أنه٢ لا غاية للمعرفة تنتهي إليها، فيبطلَ الشوق بنهايتها؛ بل لا يزال العارف في مزيد من معرفته وشوقه. واللَّه المستعان.
فصل وأمَّا المسألة الثالثة وهي: هل يزول الشوق باللقاء أم يقوى؟٣
فقالت طائفة: الشوق يزول باللقاء، لأنَّه طلب، فإذا حصل المطلوب زال الطلب؛ لأنَّ تحصيل الحاصل محال، ولا معنى للشوق إلى شيء حاصل، وإنَّما يكون الشوق إلى شيء مراد الحصول محبوب الإدراك.
(١) "ب": "العبد".
(٢) "ك، ط": "أن".
(٣) ذكر المؤلف في مدارج السالكين (٢/ ٧٤) أنه استوعب الكلام على هذه المسألة في كتابه الكبير في المحبة، وفي "سفر الهجرتين". يعني هذا الكتاب. وانظر: المدارج أيضًا (٣/ ١٦).