طريق الهجرتين

هذا مع الشوق الناشئ عن طلب اللقاء والرؤية والمعرفة العيانية، فإذا كان القلبُ١ حاضرًا عند ربِّه، وهو غير غائب عنه، لم يوجب له هذا أن لا يكون مشتاقًا إلى لقائه ورؤيته، بل هذا يكون أتمّ لشوقه وأعظم.

فظهر أنَّ قوله "إنَّ الشوق علَّة عظيمة في طريق الخواصّ" كلام باطل على كلِّ تقدير، وأنَّ الشوق بالحقيقة إنَّما هو شوق الخواصّ العارفين باللَّه. والعبد إذا كان له مع اللَّه حال أو مقام، وكُشِفَ له عمَّا هو أفضل منه وأجلّ؛ اشتاق إليه بالضرورة، ولم يكن شوقه علَّةً له ونقصًا في حاله، بل زيادةً وكمالًا؛ ويكون ترك الشوق هو العلَّة. وقد تقدَّم أنه٢ لا غاية للمعرفة تنتهي إليها، فيبطلَ الشوق بنهايتها؛ بل لا يزال العارف في مزيد من معرفته وشوقه. واللَّه المستعان.

فصل وأمَّا المسألة الثالثة وهي: هل يزول الشوق باللقاء أم يقوى؟٣

فقالت طائفة: الشوق يزول باللقاء، لأنَّه طلب، فإذا حصل المطلوب زال الطلب؛ لأنَّ تحصيل الحاصل محال، ولا معنى للشوق إلى شيء حاصل، وإنَّما يكون الشوق إلى شيء مراد الحصول محبوب الإدراك.

  1. (١) "ب": "العبد".
  2. (٢) "ك، ط": "أن".
  3. (٣) ذكر المؤلف في مدارج السالكين (٢/ ٧٤) أنه استوعب الكلام على هذه المسألة في كتابه الكبير في المحبة، وفي "سفر الهجرتين". يعني هذا الكتاب. وانظر: المدارج أيضًا (٣/ ١٦).
724

وقالت طائفة أخرى: ليس كذلك، بل الشوق يزيد بالوصل واللقاء، ويتضاعف بالدنوّ. ولهذا قال القائل:

وأعظمُ ما يكون الشوقُ يومًاإذا دنت الدِّيارُ من الدِّيارِ١

ولهذا قال بعضهم: شوق أهل القرب أتمّ من شوق المحجوبين٢. واحتجَّت هذه الطائفة بأنَّ الشوق من آثار الحبّ ولوازمه، وكما٣ أنَّ الحبَّ لا يزول باللقاءِ، فهكذا الشوق الذي لا يفارقه. قالوا: ولهذا لا يزول الرضا والحمد والإجلال والمهابة التي هي من آثار المحبَّة باللقاء، فهكذا الشوق يتضاعف ولا يزول. والقولان حق.

وفصل الخطاب في المسألة أنَّ المحبَّ إذا اشتاق إلى لقاء محبوبه، فإذا حصل له اللقاءُ زال ذلك الشوق الذي كان متعلِّقًا بلقائه، وخلفه شوق آخر أعظم منه وأبلغ إلى ما يزيد قربَه والحظوةَ عنده. وأمَّا إذا قدر أنه لقيه ثمَّ احتجب عنه ازداد شوقه إلى لقاءٍ آخر، ولا يزال يحصل له الشوق كلَّما حُجب٤ عنه، فهذا لا ينقطع شوقه أبدًا، فهو إذا رآه بلّ شوقَه برؤيته، وإذا زال عنه الطرفُ عاوده الشوق، كما قيل:

  1. (١) من بيتين أنشدهما إسحاق الموصلي (٢٣٥ هـ)، والرواية: "أبرح ما يكون". الأغاني (٢/ ٦٠٥). وقد ذكره المؤلف في روضة المحبين (٢٣٤). وذكره أيضًا فيه وفي مدارج السالكين (٢/ ٧٤) و(٣/ ١٦) باختلاف الشطر الثاني، وهو: "إذا دنت الخيام من الخيام". وكذا في القشيرية (٣٣٢).
  2. (٢) "ط": "المحبوبين"، تحريف.
  3. (٣) "ك، ط": "فكما".
  4. (٤) "ك، ط": "احتجب".
725

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي