طريق الهجرتين

وقالت طائفة أخرى: ليس كذلك، بل الشوق يزيد بالوصل واللقاء، ويتضاعف بالدنوّ. ولهذا قال القائل:

وأعظمُ ما يكون الشوقُ يومًاإذا دنت الدِّيارُ من الدِّيارِ١

ولهذا قال بعضهم: شوق أهل القرب أتمّ من شوق المحجوبين٢. واحتجَّت هذه الطائفة بأنَّ الشوق من آثار الحبّ ولوازمه، وكما٣ أنَّ الحبَّ لا يزول باللقاءِ، فهكذا الشوق الذي لا يفارقه. قالوا: ولهذا لا يزول الرضا والحمد والإجلال والمهابة التي هي من آثار المحبَّة باللقاء، فهكذا الشوق يتضاعف ولا يزول. والقولان حق.

وفصل الخطاب في المسألة أنَّ المحبَّ إذا اشتاق إلى لقاء محبوبه، فإذا حصل له اللقاءُ زال ذلك الشوق الذي كان متعلِّقًا بلقائه، وخلفه شوق آخر أعظم منه وأبلغ إلى ما يزيد قربَه والحظوةَ عنده. وأمَّا إذا قدر أنه لقيه ثمَّ احتجب عنه ازداد شوقه إلى لقاءٍ آخر، ولا يزال يحصل له الشوق كلَّما حُجب٤ عنه، فهذا لا ينقطع شوقه أبدًا، فهو إذا رآه بلّ شوقَه برؤيته، وإذا زال عنه الطرفُ عاوده الشوق، كما قيل:

  1. (١) من بيتين أنشدهما إسحاق الموصلي (٢٣٥ هـ)، والرواية: "أبرح ما يكون". الأغاني (٢/ ٦٠٥). وقد ذكره المؤلف في روضة المحبين (٢٣٤). وذكره أيضًا فيه وفي مدارج السالكين (٢/ ٧٤) و(٣/ ١٦) باختلاف الشطر الثاني، وهو: "إذا دنت الخيام من الخيام". وكذا في القشيرية (٣٣٢).
  2. (٢) "ط": "المحبوبين"، تحريف.
  3. (٣) "ك، ط": "فكما".
  4. (٤) "ك، ط": "احتجب".
725
ما يرجع الطرف عنه عند رؤيتهحتَّى يعود إليه الطرفُ مشتاقا١

وإنَّما الشأن في دوام الشوق حال الوصول واللقاء. فاعلم أنَّ الشوق نوعان: شوق إلى اللقاء، فهذا يزول باللقاء. وشوق في حال اللقاء، وهو تعلّق الروح بالفحبوب تعلُّقًا لا ينقطع أبدًا، فلا تزال الروح مشتاقةً إلى مزيد هذا التعلّق وقوَّتة اشتياقًا لا يهدأ. وقد أفصح بعض المحبِّين للمخلوق عن هذا المعنى بقوله:

أعانقُها والنفسُ بعدُ مَشوقةٌإليها وهل بعد العناق تداني
وألثمُ فاها كي تزول صَبابتيفيشتدُّ ما ألقَى من الهيَمانِ٢

فالشوق في حال الوصل والقرب إلى مزيد النعيم واللذة لا ينقطع، والشوق في حال السير إلى اللقاءِ ينقطع. ونستغفر اللَّه من الكلام فيما لسنا بأهل [له]٣.

فالخوف أولى بالمسيءِإذا تألَّهَ والحزَنْ
والحبُّ يجمُل بالتقيّوبالنقيّ من الدَّرَنْ
لكن إذا ما لم يُحِبّــكم المسيء إذن فَمَنْ
  1. (١) كذا ورد البيت في القشيرية (٣٢٩)، وقد ذكره المصنف في مدارج السالكين (٣/ ١٧)، وروضة المحبين (٥٨٢)، وهو لإبراهيم بن العباس الصولي في ديوانه (١٤٧). والرواية: "عنها حين يبصرها. . . إليها". ونسبه في ديوان المعاني (٤٤٩) إلى أبي نواس. وانظر: ديوانه (٢٥٧).
  2. (٢) لابن الرومي فى ديوانه (٢٤٧٥)، وانظر: روضة المحبين (١١٥، ١٧٨).
  3. (٣) "له" لم يرد في الأصل و"ف". وهي زيادة عما عداهما.
726

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي