طريق الهجرتين

طالبيه إلى ترك القيام بالأعمال جملةً، ورأوا أنَّها علل قاطعة عنه! واشتدَّ نكير الشيوخ والأئمة عليهم حتَّى قال شيخ الطائفة الجنيد١ ﵀: إنَّ الذي يزني ويسرق خيرٌ من هؤلاء٢.

وهم نوعان: نوعٌ جرَّدوا٣ الفناء في شهود الحكم وهو الحكم القدري، ورأوا أنَّه نهاية التوحيد، فآل بهم استغراقهم فيه إلى اطّراح الأسباب، حتى قال قائلهم: العارف لا يعرف معروفًا ولا ينكِر منكرًا لا ستبصاره بسرّ اللَّه في القدر٤. والنوع الثاني أصحاب تجريد الفناء في الإرادة٥. فجرَّدوا الفناءَ في الإرادة تجريدًا آل بهم إلى ترك الأسباب جملةً.

والطائفتان منحرفتان ضالَّتان خارجتان عن العلم والدين. ولهذا قال لهم شيخ القوم الجنيد: "عليكم بالفرق الثاني".٦ يعني أنَّ الفرق فرقان: فوق بالطبع والهوى، وهو الفرق الذي شهدوه وفرُّوا منه إلى معنى الجمع. ولكن بعد الجمع فرق ثانٍ، وهو الفرق بالأمر والمحبة، لا بالشهوة والطبع. وهو دين الرسل صلوات اللَّه عليهم وسلامه، فإنَّ

  1. (١) "ب": "الجنيد شيخ الطائفة".
  2. (٢) ذكره السلمي في طبقات الصوفية (١٥٩) وعنه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٩٦). وانظر: مدارج السالكين (٢/ ١٢٥).
  3. (٣) "ف": "شهود الفناء". والظاهر أنّ كلمة "شهود" في الأصل مضروب عليها.
  4. (٤) سبق في ص (١٨٤).
  5. (٥) "ط": "والإرادة"، وكذا فيما بعد. وهو خطأ.
  6. (٦) وانظر: مدارج السالكين (١/ ٣٢٣) و(٢/ ١٣٦)، وقد تكلَّم شيخ الإسلام على هذا الفرق في عدة مواضع من كتبه. انظر مثلًا: الرد على البكري (٢/ ٧٤٦، ٧٥٤)، منهاج السنة (٥/ ٣٦٩)، الرد على المنطقيين (٥١٩).
735

دينهم مبناه على الفرق الأمري الشرعي١ بين محبوب الربّ ومأموره وبين مسخوطه ومنهيّه، فمن لم يشهد هذا الفرق ولم يكن من أهله لم يكن من أتباع الرسل. والكمال٢ شهود الجمع في هذا الفرق، فيشهد انفراد اللَّه وحده بالخلق والأمر، ويشهد الفرق بين ما يحبه فيؤثره ويقدّمه، وبين ما يبغضه فيتركه ويتجنّبه؛ فيصير له هذا الفرق في محل فرقه الطبعي الحسّي بين ما يلائمه وينافره. ومن المعلوم أنَّ صاحب الجمع لا بدّ أن يفرّق بطبعه وحسّه، وإن ادَّعى عدمَ التفريق طبعًا فإنَّه كاذب مفتَرٍ. وإذا كان لا بدَّ من الفرق فالفرق الشرعي الإيماني الذي بعث اللَّه به رسله أولى به من الفرق الطبعي الحيواني الذي يشاركه٣ فيه سائر البهائم.

وأبطَلُ من هذا الجمعِ الجمعُ في الوجود. وهو أن يرى الوجود كلَّه واحدًا لا فرق فيه أصلًا، وإنَّما التفريق بالعادة والوهم فقط، كما يقوله زنادقة القائلين بوحدة الوجود الذين لا يفرّقون بين الخالق والمخلوق، بل يجعلون وجود أحدهما وجود الآخر، بل ليس عندهم أحدهما والآخر٤، إذ ما ثَمَّ غيرٌ. فهذا جمع في الوجود، وجمع أولئك جمع في الشهود.

وهدى٥ اللَّه الذين آمنوا لِمَا اختلفوا فيه من الحقّ بإذنه، فكانوا أصحاب الجمع في الفرق، ففرَّقوا بين ما فرَّق اللَّه بينه بإذنه،

  1. (١) "ب": "الشرعي الأمري".
  2. (٢) "ك، ط": "فإن الكمال".
  3. (٣) "ك، ط": "شاركه".
  4. (٤) "ب، ك": "فرق بين أحدهما والآخر"، وكذا في "ط".
  5. (٥) كذا في الأصل وغيره. وأراد المصنّف الاقتباس من الآية. وغيّره الناشر في "ط": "فهدى"، وأثبت الآية هنا وفيما بعد.
736

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي