طريق الهجرتين

وهذا فاسد مبنيّ على فاسد. فإنَّ الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلًا، ولا مفيد شيئًا، ولا هو كلام أصلًا، ولا يدلُّ على مدح ولا تعظيم، ولا يتعلق به إيمان، ولا ثواب، ولا يدخل به الذاكر في عقد الإسلام جملةً. فلو قال الكافر "اللَّه، اللَّه" من أوَّل عمره إلى آخره لم يصِرْ بذلك مسلمًا، فضلًا عن أن يكون من جملة الذكر، أو يكون أفضل الأذكار. وبالغ بعضهم في ذلك حتى قال: الذكر بالاسم المضمر أفضل من الذكر بالاسم الظاهر! فالذكر بقوله: "هو هو" أفضل من الذكر بقولهم١: "اللَّه، اللَّه". وكلُّ هذا من أنواع الهوَس والخيالات الباطلة المفضية بأهلها إلى أنواع من الضلالات. فهذا فساد هذا البناءِ الهائر.

وأمَّا فساد المبنيّ عليه فإنَّهم ظنّوا أنَّ قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: قل هذا الاسم، فقل: اللَّه اللَّه. وهذا من عدم فهم القوم لكتاب اللَّه، فإنَّ اسم اللَّه هنا جواب لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام/ ٩١] إلى أن قال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: قل: اللَّه أنزَلَه، فإنَّ السؤال يُعاد٢ في الجواب فيتضمّنه فيُحذَف اختصارًا، كما تقوِل: من خلق السماء٣ والأرض؟ فيقال: اللَّه. أي: اللَّهُ خلَقهما، فيحذف الفعل لدلالة السؤال عليه. فهذا معنى الآية الذي لا تحتمل غيرَه٤.

  1. (١) "ف": "بقوله"، خلاف الأصل مع مناسبته للسياق.
  2. (٢) "ب، ك، ط": "معاد".
  3. (٣) "ب، ك، ط": "السماوات".
  4. (٤) وانظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٢٦ - ٢٢٨).
739

[زهد الخاصّة]

قوله: "وإنّما زهدُهم١: جمعُ الهمة عن تفريقات٢ الكون؛ لأنَّ الحقَّ عافاهم بنور الكشف عن التعلّق بالأحوال".

فيقال: الكشف الذي أوجب لهم هذا الجمع وقطعَ هذا التعلّق هو الكشف الإيماني القرآني. فهو في الحقيقة الكشف النافع الجاذب لصاحبه إلى سلوك منازل الأبرار والوصول إلى مقام٣ القرب، ولا سيّما إذا قارنه الكشف عن عيوب النفس وعلل الأعمال٤، فناهيك به من كشف! والكرامة المرتّبة عليه هي لزوم الاستقامة ودوام العبودية، فهذا أفضل كشفٍ يُعطاه العبد، وهذه أفضل كرامة يُكرَم بها الوليّ. رزقنا٥ اللَّه من فضله وبرّه.

وأمَّا استشهاده بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ٤٦﴾ [ص/ ٤٦] فهذه الآية يخبر فيها سبحانه عمَّا أخلص له أنبياءه ورُسُله من اختصاصهم بالآخرة. وفيها قولان: أحدهما أنَّ المعنى: نزعنا من قلوبهم حبَّ الدنيا وذكرَها وإيثارَها والعملَ بها. والقول الثاني: إنَّا أخلصناهم بأفضل ما في الدار الآخرة، واختصصناهم به عن العالمين.

  1. (١) ضبط في "ف، ب": "زهَّدهم"، وهو خطأ.
  2. (٢) "ط": "تعريفات"، تحريف.
  3. (٣) "ب، ك، ط": "مقامات". وكذا كتب في الأصل أولًا، ثم ضرب عليه وكتب "مقام".
  4. (٤) "ط": "على الأعمال" تحريف.
  5. (٥) "ف": "ورزقنا"، خلاف الأصل.
740

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي