قوله: "وإنّما زهدُهم١: جمعُ الهمة عن تفريقات٢ الكون؛ لأنَّ الحقَّ عافاهم بنور الكشف عن التعلّق بالأحوال".
فيقال: الكشف الذي أوجب لهم هذا الجمع وقطعَ هذا التعلّق هو الكشف الإيماني القرآني. فهو في الحقيقة الكشف النافع الجاذب لصاحبه إلى سلوك منازل الأبرار والوصول إلى مقام٣ القرب، ولا سيّما إذا قارنه الكشف عن عيوب النفس وعلل الأعمال٤، فناهيك به من كشف! والكرامة المرتّبة عليه هي لزوم الاستقامة ودوام العبودية، فهذا أفضل كشفٍ يُعطاه العبد، وهذه أفضل كرامة يُكرَم بها الوليّ. رزقنا٥ اللَّه من فضله وبرّه.
وأمَّا استشهاده بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ٤٦﴾[ص/ ٤٦] فهذه الآية يخبر فيها سبحانه عمَّا أخلص له أنبياءه ورُسُله من اختصاصهم بالآخرة. وفيها قولان: أحدهما أنَّ المعنى: نزعنا من قلوبهم حبَّ الدنيا وذكرَها وإيثارَها والعملَ بها. والقول الثاني: إنَّا أخلصناهم بأفضل ما في الدار الآخرة، واختصصناهم به عن العالمين.
(١) ضبط في "ف، ب": "زهَّدهم"، وهو خطأ.
(٢) "ط": "تعريفات"، تحريف.
(٣) "ب، ك، ط": "مقامات". وكذا كتب في الأصل أولًا، ثم ضرب عليه وكتب "مقام".
(٤) "ط": "على الأعمال" تحريف.
(٥) "ف": "ورزقنا"، خلاف الأصل.
[توكّلهم]
قوله: "وتوكّلهم: رضاهم بتدبير الحقّ، وتخلُّصُهم من تدبيرهم، وفراغُ هممهم من إجالتها١ في إصلاح شؤونهم٢، بوقوفهم على فراغ المدبِّر منها، ومرِّها على علمه بمصالحهم فيها. ونفوسُهم مطمئنَّةٌ بذلك ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧﴾ الآية [الفجر/ ٢٧] "٣.
قد تقدَّم الكلام على التوكّل وبيانُ أنَّه من مقامات العارفين، وأنَّه لا انفكاك للمؤمن منه، وذكر العلَّة فيه ما هي.
وقوله: "وتوكلّهم رضاهم بتدبير الحقِّ". الرضا بالتدبير ثمرةُ التوكّل وموجَبُه، لا أنَّه نفسُ التوكّل. فالمقدور يكتنفه٤ أمران: التوكّل قبل وقوعه، والرضا به بعد وقوعه. ومن هنا قال بعضهم: "حقيقة التوكّل الرضا"، لأنَّه لما كان ثمرتَه وموجَبَه استدلّ به عليه استدلالًا بالأثر على المؤثِّر، وبالمعلول على العلّة.
ولهذا قال في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما عن النبى ﷺ أنَّه قال في دعائه: "اللّهم إنِّي أسألك بعلمك الغيبَ وقدرتك على الخلق، أحْيِني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي. اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمةَ الحقِّ في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك
(١) "ب، ك، ط": "احتيالها"، تحريف. وستأتي مرَّة أخرى على الصواب.