بأسبابها التي يتوقّف حصولُها عليها شرعًا وخَلْقًا١.
وأمَّا استدلاله بقوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨﴾[الفجر/ ٢٧، ٢٨]، فالنفس المطمئنّة هي التي اطمأنَّت إلى ربِّها، وسكنت إلى حبّه، واطمأنّت بذكره، وأيقنت بوعده، ورضيَت بقضائه. وهي ضدّ النفس الأمَّارة بالسوءِ، فلم تكن طمأنينتُها بمجرَّد إسقاط تدبيرها، بل بالقيام بحقِّه والطمأنينة بحبه وبذكره.
فصل [صبرهم]
قال: "وصبرُهم: صونُهم قلوبَهم عن خواطر٢ السوءِ بأنَّ اللَّه تعالى قضى قضاءً عاريًا عن الرأفة٣ خارجًا عن الخيرة٤. قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾[الأنفال/ ١٧] "٥.
قد تقدَّم الكلام في الصبر وأقسامه وبيان مرتبته من الإيمان٦. وما ذكره في تفسيره ههنا غير مطابق لمعناه، وهو تفسير بعيد جدًّا، فإنَّ الصبر من أعمال القلوب، وهو حبس النفس وكفّها عن التسخّط٧. وأمَّا صون القلب عن اعتقاد ما لا يليق باللَّه سبحانه فلا يقال له "صبر"،
(١) "ب": "خلقًا وشرعًا".
(٢) "ك، ط": "خاطر".
(٣) "ك، ط": "المرافقة"، تحريف.
(٤) "ب": "الخير". وفي مطبوعة المجالس: "الرحمة".
(٥) محاسن المجالس (٩٦).
(٦) في ص (٥٧٥) وما بعدها.
(٧) "ط": "السخط".
بل١ هذا من لوازم الإيمان. وهو كاعتقاد أنَّه سبحانه حكيم رحيم عليم سميع بصير، إلى غير ذلك من صفات كماله. فلا يقال: الصبر صونُ المْلب عن اعتقاد أضدادها. هذا بعيدٌ جدًّا، وتكلُّفٌ زائد لتفسير الصبر.
ومن العجب جعلُ الصبر الذي هو نصف الإيمان من منازل العوام، وتفسيرُه بهذا التفسير!
نعم، يجب على كلِّ مسلم أن ينزّه ربّه٣ سبحانه عن أن يقضي قضاءً يُنافي حكمتَه وعدلَه وفضلَه وبرَّه وإحسانه، بل كلُّ أقضيته لا تخرج عن الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة؛ وإن كان كثير من المتكلمين ينازع في هذا الأصل ويقول: الذي ينزّه اللَّهُ عنه من الأقضية هو المستحيل الممتنع، وأمَّا الممكن فلا يقبح منه شيء. وهؤلاء لا معنى لصون القلوب٤ عن خواطر السوءِ المتعلّقة بما يقضيه اللَّه -عندهم- إلا صونُها عن خواطر الممتنعات والمستحيلات فقط. وبالجملة هذا مقام آخر غير مقام الصبر، بل هذا باب من أبواب المعرفة والعلم، ولكلّ مقام مقال.